كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المختار في طيفي: ماذا كنتُ سأفعل لو كنتُ مع الحسين يوم عاشوراء؟

لو التقيتُ المختارَ الثقفي في طيفٍ نديّ، لنسيتُ للحظةٍ أنني صحفي جاء من زمنٍ بعيد، وأنه رجلٌ خرج من بين ركام التاريخ، ولجلستُ أمامه كإنسانٍ يبحث عن إجاباتٍ لأسئلةٍ ظلّت تكبر في داخله كلما قرأ كربلاء.

قلتُ له: يا مختار، جئتُك هذه المرة لا لأكتب عنك، بل لأكتب منك. جئتُك وفي يدي دفترٌ، وفي صدري أسئلةٌ أثقل من الورق.

سألته أولاً:
هل كان أعظم انتصاراتك شهادتك في محراب علي؟ أم أن انتصارك الحقيقي كان يوم وقفتَ لتستعيد شيئاً من كرامة الدم الذي أُريق على رمال الطف؟

نظر إليّ طويلاً، كأن السؤال أعاده إلى أعوامٍ لم تنطفئ في ذاكرته، فقلت: هل كان ثأرك شفاءً للقلوب التي ظلت تنزف بعد عاشوراء، أم وفاءً لوعدٍ قطعته على نفسك؟ وهل كنت تنتقم للحسين، أم للعدالة التي خذلته يوم الطفوف؟

ثم اقتربتُ منه أكثر، وسألته السؤال الذي كان يختلج في داخلي منذ قرأت سيرته:

إذا كان الإمام الحسين عليه السلام قد انتصر بموته، فلماذا احتاج التاريخ إلى ثأرك؟
هل كان ثأرك انتصاراً للحسين، أم انتصاراً للعدالة التي تأخرت، لكنها لم تمت؟

سكتُّ قليلاً، ثم قلت له:
يا مختار، هل ما زلتَ تحارب الرياء؟
هل اكتشفتَ بعد كل ما جرى أن بعض الناس لا يخذلون الحق لأنهم يكرهونه، بل لأنهم يخافون ثمن الوقوف معه؟

وتذكرتُ سجنَه، فتبدّل السؤال في فمي:
ما أقسى عليك؛ أن يخذلك سبعة آلاف مقاتل، أم أن تبقى يوم عاشوراء خلف القضبان، بينما كان الحسين وحيداً في كربلاء؟

لم يجبني سريعاً.

وكان صمته هذه المرة أشبه بإجابةٍ خرجت من بين قضبان الزمن.

قلت له:
لو كنتَ يوم الطفوف مع الحسين، ماذا كنتَ ستفعل؟
هل كنتَ ستغيّر شيئاً في مجرى المعركة؟ أم كنتَ ستقف إلى جواره وأنت تعرف أن النهاية شهادة، وأن بعض الانتصارات لا تُقاس بعدد من يبقى حياً؟

ثم خفضتُ دفتري.

لم أعد صحفياً في تلك اللحظة.

صرتُ رجلاً يسأل رجلاً عن الموت.

قلت له:
يا مختار، ما طعم الموت حباً بالحسين؟
هل يكون الموت حينها موتاً حقاً، أم عبوراً إلى معنى لا يستطيع الأحياء فهمه؟

ابتسم.

وكانت ابتسامته غريبة؛ كأنها آتية من مكانٍ لا تصل إليه أعمارنا.

ثم شعرتُ أن الطيف بدأ يبتعد، وأن ملامحه أخذت تتلاشى في ضوءٍ أبيض. مددتُ يدي نحوه، لا لأمسكه، بل لأستبقي السؤال.

قلت: انتظر يا مختار... بقي سؤال!

لكنه كان قد صار أبعد من أن يُسمع.

فاستيقظتُ.

كان الليل ما يزال في مكانه، والدفتر إلى جواري، والقلم بين أصابعي.

فتحتُ الصفحة الأولى، وكتبت:

لم ألتقِ المختار في المنام لأعرف ماذا فعل، بل لأعرف ماذا كان يمكن أن أفعل أنا لو كنتُ في كربلاء.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد سؤالي عن المختار.

صار السؤال عني.

ماذا كنتُ سأفعل لو كنتُ هناك؟

هل كنتُ سأكون مع الحسين، أم كنتُ سأجد ألف عذرٍ لأبقى بعيداً؟

وهل يكفي أن نكتب عن الحسين بعد قرون، إذا كنا لا نملك شجاعة الوقوف مع الحق حين يُمتحن في زماننا؟

أغلقتُ دفتري.

لكن السؤال ظل مفتوحاً.

وربما لهذا السبب، لم يكن طيف المختار رؤيا عابرة...

كان مرآةً وضعتها كربلاء أمام روحي.

 

المختار.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!