كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الضجيج يسبق الحقيقة.. اللواء أنور النصراوي بين تطبيق التعليمات ومحكمة الرأي العام

في خضمّ الضجيج الذي تصنعه بعض المنصات، يصبح التثبت من الوقائع أول ضحايا الانفعال الجمعي، وتتحول حادثة إدارية محدودة إلى مادة للتأويل السياسي والطعن بالمؤسسات، دون انتظار كلمة الحقيقة أو الاستماع إلى جميع الأطراف.

إن ما أُثير مؤخراً بشأن الإجراءات التي اتخذها اللواء أنور النصراوي، قوبل بحملة تجاوزت حدود النقد المشروع، لتنتقل سريعاً من التشكيك بقرار ميداني يتعلق بقيادة فوج، إلى استهداف إدارات العتبات المقدسة، وصولاً إلى محاولة الزج بالمرجعية الدينية العليا في سياق لا يمتّ للحادثة بصلة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة عن توقيت إثارة الموضوع والجهات التي عملت على تضخيمه.

وبعيداً عن العاطفة، ووفق ما نشره الكاتب جمال الدين الشهرستاني فإن الوقائع تشير إلى ما يأتي:

- إن صور الشهداء ما زالت تملأ أرجاء المدينة القديمة في كربلاء، ضمن المناطق الخاضعة لإدارة اللواء أنور النصراوي، ولم تُمس أو تُرفع، وهو ما ينفي بشكل قاطع الادعاءات التي حاولت تصوير الأمر على أنه موقف معادٍ لرمزية الشهداء أو تضحياتهم.

- إن الموقع محلّ الجدل غير مخصص إدارياً لإقامة مواكب الخدمة، وذلك وفق تخطيط ميداني واتفاقات مسبقة تنظم حركة المواكب والخدمات خلال الزيارات المليونية، بما يضمن انسيابية العمل وحفظ حقوق الجميع.

- وبحسب المعطيات المتوافرة، فقد مُنحت إحدى المجموعات القادمة من بغداد موافقة استثنائية لإقامة موكب خدمي، مع تأكيد واضح وصريح بعدم الدخول إلى البناية المذكورة أو استخدامها، احتراماً لوصية مالكها وحرمة المكان.

- إلا أن المجموعة المعنية انتظرت حتى ساعات الفجر الأولى، وتحديداً عند الساعة الرابعة صباحاً، للشروع بتعليق الصور، وعند إبلاغها بوجود منع مسبق رفض بعض أفرادها التعاون، ودخلوا إلى البناية مصطحبين أغراضهم، مع تسجيل تجاوزات لفظية بحق عناصر المفرزة الأمنية المكلفة بحماية الموقع.

- وعند إبلاغ اللواء أنور النصراوي بما جرى في الساعة الثامنة صباحاً، اتخذ الإجراء الإداري والقانوني المتمثل برفع الصور وسحب الموافقة الممنوحة للموكب، باعتباره المسؤول المباشر عن تطبيق التعليمات والحفاظ على النظام العام.

إن الدولة والمؤسسات لا تُدار بردود الأفعال، بل بالقانون، ولا يمكن لأي مسؤول أن يتغاضى عن تجاوز التعليمات مهما كانت الدوافع أو العناوين المرفوعة. فسيادة القانون تعني أن الجميع متساوون أمامه، وأن احترام الإجراءات التنظيمية هو الضمانة الحقيقية لصون هيبة المؤسسات وحماية المناسبات الدينية من الفوضى والاستثمار الإعلامي.

أما تحويل حادثة تنظيمية إلى قضية رأي عام، واستدعاء منصات ووسائل إعلام وصفحات من خارج السياق المحلي لتأجيج المشهد، فهو مؤشر يدعو إلى مراجعة عميقة لطريقة تعاطينا مع الأحداث، وإلى ضرورة إعادة الاعتبار لمنهج التثبت والتحقق قبل إطلاق الأحكام.

لقد أثبتت التجربة أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الخطأ الفردي، بل اندفاع العقل الجمعي خلف رواية غير مكتملة. وفي زمن تتسابق فيه المنصات على صناعة الإثارة، يبقى الاحتكام إلى الحقيقة والقانون هو الفيصل، ويبقى تطبيق التعليمات مسؤولية لا يجوز التهاون فيها، أياً كانت الأسماء أو العناوين.

فاللواء أنور النصراوي، بوصفه مسؤولاً تنفيذياً، مارس صلاحياته ضمن الأطر القانونية والتنظيمية، ولم يكن أمامه إلا خيار واحد: أن يضع القانون فوق الجميع، لأن هيبة المؤسسة تبدأ من احترام التعليمات، ولأن كربلاء، بتاريخها وقدسيتها، لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق النظام والمسؤولية.

754660003_38301667149432068_7322812183924362651_n.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!