كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

«الدولة الغائبة»: نحو إطار نظري لفهم أزمة الدولة في العراق بعد عام 2003

لماذا نحتاج إلى مفهوم جديد؟

تزخر أدبيات علم الاجتماع السياسي بمفاهيم عديدة لوصف أزمة الدولة في سياقات كالعراق، منها: «الدولة الفاشلة»، و«الدولة الهشة»، و«الدولة الريعية»، و«دولة المحاصصة». ولكل مفهوم من هذه المفاهيم أدوات قياس ومؤشرات مستقرة، إلا أنها تشترك في نقطة ضعف واحدة حين تُطبَّق على الحالة العراقية؛ فهي تصف إما انهيار القدرة المؤسسية، كما في مفهومي الهشاشة والفشل، وإما طبيعة الاقتصاد السياسي، كما في مفهوم الريع، وإما آلية توزيع السلطة، كما في مفهوم المحاصصة.

لكن هذه المفاهيم لا تلتقط بدقة الظاهرة المركزية التي يشير إليها كتّاب عراقيون كثر، والمتمثلة في وجود مؤسسات تعمل شكلياً، من وزارات ورواتب وانتخابات، لكنها تفتقر إلى مشروع دولة جامع، إن صحّ التعبير. وهنا يصبح مصطلح «الدولة الغائبة» مفيداً بوصفه مفهوماً وسيطاً؛ فهو لا يصف انهيار الدولة مادياً، بل غيابها الوظيفي رغم حضورها الشكلي.

  أولاً: التمييز بين الدولة الفاشلة والدولة الهشة

يُعرَّف مصطلح «الدولة الفاشلة»، بحسب صندوق السلام العالمي ومجلة «فورين بوليسي» الأميركية، بأنه وصف لكيان سياسي تفقد فيه الحكومة قدرتها المركزية على السيطرة والسيادة على كامل أراضيها. وهو معيار قياسي بات معتمداً دولياً، وأُدرج العراق ضمن مؤشراته إلى جانب ليبيا وسوريا واليمن والصومال وجنوب السودان [1].

لاحقاً، استقر الباحثون على مصطلح «الدولة الهشة» بوصفه بديلاً أكثر دقة؛ إذ يقيس هذا المفهوم قوة الدولة بما تقدّمه من خدمات تضمن أمن المواطن وكرامته، إلى جانب محددات السيادة والقوة العسكرية والإدارة والتشريع [2]. غير أن باحثين في مجال التنمية يشيرون إلى أن الفرق بين «الهشاشة» و«الفشل» لا يزال غير محدد بدقة، بسبب تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المكوّنة لكلا المفهومين [3].

تكمن المشكلة المنهجية في تطبيق هذين المفهومين على العراق في أنهما يفترضان أن غياب القدرة هو النتيجة النهائية القابلة للقياس، والمتمثلة في انهيار الخدمات، وغياب الأمن، وشلل المؤسسات فعلياً. لكن الحالة العراقية تكشف عن مفارقة؛ فبعض المؤشرات، مثل استمرار صرف الرواتب، وإجراء الانتخابات دورياً، ووجود جهاز إداري ضخم يوظّف الملايين، لا تتوافق مع صورة «الانهيار» التقليدية، فيما يبقى الشعور الشعبي والبحثي بغياب الدولة حاضراً بقوة.

وهنا يكمن الفارق الجوهري: فالدولة الغائبة لا تعني غياب المؤسسات، بل غياب الوظيفة الجامعة لهذه المؤسسات.

  ثانياً: الجذر الاقتصادي — من الدولة الريعية إلى الدولة الغائبة

يوفر أدب الدولة الريعية تفسيراً بنيوياً مهماً لهذه المفارقة؛ فعندما يعتمد اقتصاد الدولة بصورة شبه كلية على الريع النفطي بدلاً من الإنتاج، تتغيّر وظيفتها الأساسية من الحوكمة إلى توزيع المزايا والمكاسب على الأفراد والجماعات والأحزاب الحاكمة. وهذا ما يجعل مطالبة المواطنين بالمشاركة السياسية أقل إلحاحاً، فتتراجع معدلات المشاركة وتغيب الديمقراطية الفعلية، رغم استمرار الشكل الانتخابي [4].

وبعبارة أخرى، تشتري الدولة الريعية الشرعية بالتوزيع، ولا تكتسبها بالأداء. وقد طُبّق هذا التحليل مباشرة على الحالة العراقية، حيث أدت طبيعة الاقتصاد الريعي بعد عام 2003 إلى إضعاف البناء الديمقراطي وإرباك المشهد السياسي بصورة بنيوية لا عَرَضية [5].

ويمثل ذلك المدخل الذي يفسّر «غياب» الدولة رغم «حضورها»؛ فعندما تتحول وظيفة الدولة من الحوكمة إلى إعادة توزيع الريع، تنتفي الحاجة الفعلية إلى بناء مشروع دولة حقيقي، لأن الشرعية السياسية لم تعد مشروطة بالإنجاز المؤسسي، بل بالقدرة على توزيع العوائد على الشبكات الزبائنية والمكوّناتية.

وقد ربط بعض الكتّاب المتخصصين في الاقتصاد العراقي هذه الظاهرة تاريخياً بنمط أعمق من الاستبداد الشرقي، القائم على مركزية التحكم بالموارد، استناداً إلى أطروحة المؤرخ كارل فيتفوغل بشأن «الحضارات المائية» وإدارة الدولة المركزية لشبكات الري والموارد. واقترحوا أن الدولة الريعية العراقية أعادت إنتاج هذا النمط التاريخي بصيغة نفطية حديثة [6].

 ثالثاً: التمييز عن دولة المحاصصة

يُعدّ مصطلح «دولة المحاصصة» الأكثر تداولاً في النقاش العراقي، وهو يصف بدقة آلية توزيع السلطة بعد عام 2003. فقد انقسمت الأحزاب إلى كتل شيعية وسنّية وكردية، مع بقاء الأحزاب المدنية محدودة التأثير، ولم يقتصر الأمر على تقاسم السلطة، بل امتد إلى توزيع الدولة جغرافياً وسياسياً، حتى بدت البلاد كأنها ثلاث دول داخل دولة واحدة، يدير فيها كل مكوّن شؤونه كإقطاعية خاصة، لا بوصفه جزءاً من سيادة وطنية موحدة.

وفي ظل هذا الواقع، تراجعت فكرة المواطنة، وساد منطق الامتيازات، وغابت المسؤولية الجماعية [7].

لكن مفهوم «دولة المحاصصة» يصف الآلية؛ أي كيف تُوزّع السلطة، بينما يصف مصطلح «الدولة الغائبة» النتيجة؛ أي ما يحدث لوظيفة الدولة في ظل هذه الآلية. وبمعنى آخر، تمثل المحاصصة السبب التنظيمي، فيما تمثل الدولة الغائبة الأثر البنيوي المتراكم.

وقد عبّر كتّاب عراقيون عن هذا الأثر بوضوح، حين وصفوا الأزمة الجوهرية منذ عام 2003 بأنها لا تكمن في تداول السلطة أو تبدّل الوجوه، بل في غياب مشروع الدولة القادر على تحويل العراق من ساحة للصراعات والتجاذبات إلى كيان يمتلك قراره وسيادته ومؤسساته الفاعلة [8].

ويذهب بعض المحللين إلى ربط هذا الغياب بنمط حكم بلوتوقراطي، تتحكم فيه طبقة سياسية ومالية بمفاصل الدولة، لا بوصف ذلك استثناءً فاسداً عن القاعدة، بل بوصفه القاعدة نفسها التي تحافظ الطبقة الحاكمة من خلالها على استمرارها [9].

  رابعاً: نحو تعريف إجرائي للدولة الغائبة

استناداً إلى ما سبق، يمكن اقتراح تعريف إجرائي أولي للمفهوم، بوصفه إطاراً تحليلياً قابلاً للاستخدام البحثي:

**الدولة الغائبة هي حالة يستمر فيها الجهاز الإداري والسياسي للدولة في العمل الشكلي، من خلال الرواتب والانتخابات والوزارات والتشريعات، من دون أن يتحول هذا العمل إلى وظيفة جامعة تتمثل في سيادة القرار، والمساءلة، ووجود مشروع تنموي متسق، وذلك نتيجة تقاطع ثلاثة عوامل بنيوية:**

1. اقتصاد ريعي يجعل الشرعية السياسية مشروطة بالتوزيع لا بالأداء.

2. آلية محاصصية تحوّل مؤسسات الدولة إلى حصص متنازع عليها بين المكوّنات، بدلاً من أن تكون أدوات موحدة للخدمة العامة.

3. غياب عقد اجتماعي جديد قادر على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس المواطنة الفعلية، لا الولاءات الفرعية.

يميّز هذا التعريف الدولة الغائبة عن الدولة الفاشلة، التي يُفترض فيها حدوث انهيار قابل للقياس بالمؤشرات الدولية، وعن الدولة الهشة، التي تركز على القدرة الخدمية والأمنية، كما يميّزها عن الريعية والمحاصصة، اللتين تصفان الآليتين الاقتصادية والسياسية من دون تشخيص الأثر التركيبي النهائي.

وبذلك، يصلح مفهوم «الدولة الغائبة» أداة تحليلية وسيطة تربط بين هذه الأدبيات الثلاث، من دون أن تُختزل في أيٍّ منها.

  خاتمة

تكمن قيمة مفهوم «الدولة الغائبة»، بوصفه إطاراً نظرياً، في قدرته على تفسير المفارقة التي يصعب على المفاهيم الأخرى تفسيرها منفردة: كيف تستمر دولة تعمل شكلياً، من دون انهيار مؤسسي كامل، بينما يشعر مواطنوها وباحثوها بغيابها الفعلي؟

تتمثل الإجابة، وفق هذا الإطار، في أن الغياب لا يقع في الهيكل، بل في الوظيفة الجامعة لهذا الهيكل. ويفتح ذلك مساراً بحثياً مثمراً؛ فبدلاً من قياس قوة الدولة العراقية بمؤشرات الفشل والهشاشة التقليدية وحدها، يمكن قياس حضورها بمدى تحوّل مؤسساتها من أدوات للتوزيع الريعي والمحاصصي إلى أدوات للمساءلة والخدمة العامة الفعلية.

  المصادر

1. «الدولة الفاشلة ومؤشرات الدول الهشة»، معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع.

2. «الدولة الهشة – Fragile State»، الموسوعة السياسية.

3. «العلاقة بين الهشاشة والفشل في العراق واستراتيجيات الحل والتصحيح»، IFPMC.

4. «الدولة الريعية وأثرها في تطبيق الفيدرالية: العراق أنموذجاً»، كلية العلوم السياسية.

5. «دولة الريع النفطي وبناء الديمقراطية: العراق أنموذجاً»، مجلة دراسات دولية، جامعة بغداد.

6. د. مظهر محمد صالح، «الاستبداد الشرقي الهجين: تبدّل الأدوار في العراق الريعي»، شبكة الاقتصاديين العراقيين.

7. «ثلاث دول في دولة واحدة… المحاصصة تُفرغ العراق من رجال الدولة»، رصيف22.

8. «العراق بين المحاصصة واستعادة الدولة»، الجزيرة نت.

9. «في العراق... السياسة بوصفها مهاترات وثرثرة»، مجلة المجلة.

✦كتابات في الميزان✦

يقدّم المقال مفهوم «الدولة الغائبة» محاولةً لفهم المفارقة العراقية المتمثلة في حضور مؤسسات الدولة شكلياً وغياب وظيفتها الوطنية الجامعة عملياً. وتنبع أهمية الطرح من تجاوزه أوصاف الفشل والهشاشة والريع والمحاصصة، ليربط بينها ضمن إطار تحليلي واحد. غير أن ترسيخ المفهوم علمياً يحتاج إلى مؤشرات إجرائية دقيقة تقيس درجات الغياب الوظيفي، وتتيح مقارنته بتجارب دول أخرى. إنها رؤية أخرى تفتح باباً مهماً للنقاش بشأن الفرق بين وجود أجهزة الدولة ووجود الدولة بوصفها مشروعاً للمواطنة والسيادة والتنمية.

العراق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!