عندما تحاول الشعوب الحية أن تكون مصدر قرارها السياسي والاقتصادي والثقافي، لا يُستهدف مستقبلها فحسب، بل يحاول المحتلون والغزاة طمس هويتها الوطنية وتاريخها السياسي، عن طريق تغيير واقعها وتركيبتها الديموغرافية، واغتيال قادتها ومن كانوا مصدر إلهام وتأثير في مسيرتها.
لقد لعب السيد محمد باقر الحكيم دورًا محوريًا في تاريخ العراق الحديث. وبدأت ملامح هذا الدور في مرحلة تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، إلى جانب نخبة من مؤسسيه، في ظل أوضاع النجف آنذاك، ومرجعية والده السيد محسن الحكيم، والتحولات الجيوسياسية التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، وثورة عبد الكريم قاسم عام 1958. وكانت تلك الظروف كلها كفيلة بولادة الحركة الإسلامية في العراق، أو على الأقل تشكيل إرهاصاتها الأولى.
مرت الأيام سريعًا، وجاء حزب البعث إلى السلطة، فبدأ بتصفية خصومه في واحدة من أوسع عمليات الإبادة الفكرية والسياسية في تاريخ العراق الحديث. قُتل كثيرون، وشُرّد آخرون، وسُجن وعُذّب من بقي منهم، من إسلاميين وشيوعيين وحتى بعثيين مختلفين مع السلطة.
وتمزق رفاق التأسيس واحدًا بعد آخر؛ فهاجر مهدي الحكيم، وتوفي الإمام محسن الحكيم، واستُشهد السيد محمد باقر الصدر، وأبو عصام الدخيل، والخمسة من «قبضة الهدى»، وآلاف المنتمين إلى هذا الطريق.
عندها اتخذ السيد محمد باقر الحكيم، وهو في مطلع الأربعينيات من عمره، قرار الهجرة ومواجهة صدام حسين ونظام البعث بالسلاح. وكان تشكيل «بدر»، الذي ضم عشرات الآلاف من المقاتلين على امتداد الحدود وفي داخل العراق، واحدًا من أبرز خيارات تلك المواجهة.
وقد اتخذ السيد الحكيم قراره رغم الثمن العائلي الفادح؛ إذ تعرّض إخوته وأبناء إخوته وأعمامه وأبناء أعمامه للاعتقال، في محاولة لمقايضته بهم ودفعه إلى التخلي عن هدفه واعتزال العمل السياسي. لكن الفاجعة وقعت، فقُتل وسُجن كثيرون منهم، وبلغ عدد شهداء أسرته أكثر من سبعين شهيدًا.
لك ما أردت أيها القائد العظيم؛ ها أنت تواسي عليًا والحسين بعدد الشهداء من بيتك. وها هي هدية السماء إليك، وأنت تسأل القبة وأميرها وصاحبها عن سر التوفيق والرضا من الله.
وعندما وصله خبر إعدام أفراد من عائلته، اختلى بنفسه باحثًا عن هدف آخر يواصل من أجله الطريق، وكأنه يقول لعلي (عليه السلام): إن هذا لا يكفي يا أمير المؤمنين؛ أريد أن أواسيك في مذبحك ومحرابك.
تعرّض السيد الحكيم لأكثر من عشر محاولات اغتيال، لكن الله لم يكتب له الشهادة آنذاك، لحكمة لا نعلم سرها. ومرت السنون سريعًا، وعاد إلى العراق، حيث كان القدر ينتظره، وكان عليّ (عليه السلام) ينتظر عودته أيضًا، بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الفراق والغربة والجهاد والإخلاص.
وبعد أيام من البكاء والصلاة عند مرقد الإمام علي (عليه السلام) ومحرابه، والتطلع إلى القبة الشريفة، جاء القدر ليلتقي مع القبة روحًا وأشلاءً؛ فتناثرت أشلاؤه ودمه الطاهر في جوارها، وكان له ما أراد، مواسيًا لعلي والحسين والعباس (عليهم السلام).
رحل السيد الحكيم وبقي سرًا من أسرار ذلك الطريق، وكان على موعد مع الشهادة برفقة أكثر من سبعين من أنصاره، وربما كان آخر الباكين في محراب علي (عليه السلام). إنها هدية السماء إلى صاحب النفس الزكية.
رسم اغتياله نهاية موجعة لآمال مستقبل كانت مرسومة على ملامح اليتامى والمعوزين والمظلومين وعائلات الشهداء. واندثر جانب كبير من ذلك الحلم مع لحظة الانفجار، وكُتبت على أبواب المستقبل المنهكة عبارة كبيرة بخط واضح:
«سُرق الحلم إلى يوم الظهور»
✦ كتابات في الميزان ✦
يستعيد المقال سيرة السيد محمد باقر الحكيم بوصفها مسارًا ممتدًا بين التأسيس والمواجهة والغربة والعودة، قبل أن ينتهي عند لحظة الاغتيال في جوار مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام). ويغلب على النص البعد الرثائي الذي يربط تضحيات أسرته بمشروعه السياسي والديني، ويرى في اغتياله استهدافًا لحلم عراقي كان يبحث عن طريقه بعد سقوط النظام. إنها قراءة وجدانية في رجل مثّل، لدى أنصاره، ذاكرة للماضي وأملًا لمستقبل لم يكتمل.


التعليقات
يوجد 1 تعليق على هذا المقال.
اغتيال الحكيم مرتين: مرة بالجسد وأخرى باستغلال اسمه
لقد قدّم الحكيم أسرته وإخوته وأقرباءه شهداء، وعاش سنوات طويلة في الغربة والمعارضة، لكن بعض الشخصيات المحسوبة على التيار الذي أسسه واجهت، بعد عام 2003، اتهامات وشبهات تتعلق بالفساد والاستحواذ على المال العام واستغلال النفوذ. وهنا تصبح المفارقة قاسية: رجل ضحّى بعائلته من أجل قضية، ثم يأتي من يرفع صورته وشعاراته ليجعل من اسمه غطاءً للمصالح والمناصب والصفقات.
لا يكفي أن تُرفع صورة الحكيم في المؤتمرات والمناسبات، ولا أن تُستعاد خطاباته في ذكرى استشهاده، بينما تُثار ملفات الفساد حول بعض من حكموا باسمه أو احتموا بإرثه. فالوفاء للشهيد لا يكون بتحويل اسمه إلى علامة سياسية تمنح الحصانة، بل بالالتزام بالقيم التي نادى بها، وبكشف الأموال والممتلكات، وفتح الملفات أمام القضاء، وإعادة كل دينار أُخذ من المال العام بغير حق.
ولا يجوز تحميل السيد الحكيم مسؤولية ما فعله بعض من جاء بعده؛ فالرجال يُقاسون بأعمالهم، والتيارات تُحاسب على ممارساتها، ولا تنتقل قداسة المؤسس تلقائيًا إلى من حمل اسمه أو ورث موقعه. وإذا ثبتت السرقات والتجاوزات بالأدلة والقضاء، فإن الصمت عنها باسم الوفاء للحكيم يمثل إساءة جديدة إليه، لا دفاعًا عنه.
لقد اغتيل محمد باقر الحكيم أول مرة حين استُهدف جسده عند مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد يكون قد اغتيل معنويًا مرة أخرى حين استُخدم اسمه لتبرير السلطة، وحماية المصالح، وإسكات الأسئلة عن الفساد.
إن من يريد الوفاء للحكيم عليه أن يحمي مبادئه، لا أن يتاجر بصورته؛ لأن التاريخ لا يسأل من رفع صورة الشهيد، بل يسأل: من سار على نهجه، ومن استغل دمه للوصول إلى السلطة والثروة؟