ثمة محطات مغمورة في تاريخ التصدي للاستبداد، ظلت حبيسة الكتب والمخطوطات، ولم يتم إبرازها إذاعيًا أو تلفزيونيًا أو مسرحيًا بما يتناسب مع أهميتها، كما حدث مع ثورة الزنج التي اندلعت في البصرة واستمرت سنوات، وكذلك واقعة فخ التي يرى عدد من المؤرخين أنها تمثل واحدة من أبرز الانتفاضات العلوية ضد الحكم العباسي، لما حملته من أبعاد سياسية وإنسانية ومأساوية.
وقد رُوي عن الإمام محمد الجواد عليه السلام قوله:
«لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ».
وجرت واقعة فخ سنة 169هـ/786م في وادي فخ، شمال غربي مكة المكرمة، في منطقة ارتبط اسمها لاحقًا بـحي الشهداء، وهي من المواقع التاريخية المعروفة في مكة. وتشير بعض المصادر إلى مقتل عدد كبير من العلويين وأنصارهم فيها.
وكانت مقدمات الثورة قد بدأت في المدينة المنورة في عهد الخليفة العباسي موسى الهادي، حين اشتد الضغط على الطالبيين، وفُرض عليهم الحضور والمتابعة اليومية، وتعرضوا لمعاملة قاسية من السلطة المحلية. وتذكر المصادر أن إسحاق بن عيسى بن علي كان واليًا على المدينة، وأنه استخلف عليها عبد العزيز بن عبد الله العمري، الذي بالغ في التضييق على الطالبيين وألزمهم بالكفالة والحضور.
وفي ظل تلك الضغوط، قاد الحسين بن علي بن الحسن المثلث حركة احتجاج وثورة ضد السلطة العباسية، والتحق به عدد من العلويين وأنصارهم. وبعد خروجه من المدينة وتوجهه نحو مكة، وقعت المواجهة في وادي فخ خلال موسم الحج.
وأرسل الحكم العباسي قوات كبيرة لمواجهة الحركة، فانتهت المعركة بمقتل الحسين وعدد كبير من أصحابه. وتذكر المصادر أن جثث القتلى بقيت أيامًا في أرض المعركة حتى تعرضت للسباع والطيور، وهو ما جعل الواقعة تُستذكر بوصفها واحدة من أشد المآسي التي أصابت العلويين بعد واقعة الطف.
إن إعادة قراءة مثل هذه المحطات لا ينبغي أن تكون مجرد استحضار للمآسي، بل محاولة لفهم تاريخ الصراع بين السلطة والاستبداد من جهة، وحركات الاحتجاج والمطالبة بالعدالة من جهة أخرى. فالتاريخ الذي يبقى حبيس الكتب يفقد جزءًا من قدرته على التأثير في الوعي العام، بينما يمكن للبحث والدراما والإعلام أن يعيدوا تقديمه للأجيال بلغة علمية رصينة.
✦كتابات في الميزان✦
يلفت النص الانتباه إلى أن ذاكرة مقاومة الاستبداد لا تختصر في الأحداث الأشهر، بل تضم محطات بقيت بعيدة عن الإعلام الحديث رغم ثقلها التاريخي. وواقعة فخ مثال على ذلك، إذ تحولت من احتجاج على التضييق السياسي إلى مأساة رسخت حضورها في الذاكرة العلوية. وتكمن أهمية استعادتها اليوم في قراءة دوافعها ونتائجها بعيدًا عن الاختزال، وربط التاريخ بثقافة رفض الظلم والسلطة المتعسفة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!