كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 اخر الثورات 

 بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، ذكرنا في القراءات السابقة أن الثقل السياسي العلوي تركز في أربع شخصيات علوية، تفاوتت مواقفها من الأحداث اللاحقة.

  أولًا: السيد محمد بن الحنفية

هو ابن الإمام علي (عليه السلام)، ولم يشارك في أحداث كربلاء، وكان معترضًا وناصحًا للإمام الحسين (عليه السلام) بعدم الذهاب إلى كربلاء.

ظل ابن الحنفية في المدينة ليشكل المرجعية المؤقتة لآل البيت وشيعتهم، إلى أن عاد الإمام السجاد (عليه السلام) وتسلم الإمامة.

وبرز من بعده ابنه أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، الذي كان زعيمًا سياسيًا بارزًا من زعماء الكيسانية، وهي فرقة شيعية منقرضة تقول بإمامة ابن الحنفية بعد الإمام الحسين (عليه السلام).

حظي أبو هاشم بقبول الكوفيين ومبايعتهم، ولا سيما أتباع الكيسانية، لكنه عندما أحس بالمرض قرر الذهاب إلى الشام، وتحديدًا إلى مدينة الحميمة في الأردن حاليًا، وعهد بالدعوة والوصايا والتأييد إلى صديقه القديم محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي، الذي كان يعد الخطة السرية لإسقاط الأمويين من تلك المدينة.

  ثانيًا: السيد زيد بن الإمام الحسن

كان السيد زيد بن الإمام الحسن (عليه السلام) من سادات بني هاشم، ولم يشارك أيضًا في كربلاء. وظل يتولى صدقات الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) حتى بلغ التسعين من عمره. واتسم موقفه بالمسالمة السياسية والتقية، وعُيّن ابنه الحسن بن زيد واليًا على المدينة أيام الدولة الأموية.

والحسن بن زيد هو والد السيدة نفيسة، المدفونة في القاهرة، ولها مقام كبير. وزوجها هو السيد إسحاق بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وكان السيد إسحاق من علماء الحديث ومن أصحاب الصلاح والورع، وكان مطيعًا لآل البيت ومقرًا بالإمامة لأخيه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).

ومن أحفاد السيد الحسن بن زيد تأسست الدولة العلوية في طبرستان، واستمرت أكثر من سبعين عامًا على يد الداعي الحسن بن زيد، بعد أن ثار أهل طبرستان والديلم ضد ظلم الولاة العباسيين.

وظلت مدينة آمل عاصمة لهذه الدولة، واستمر حكمها على يد أخيه محمد، والحسن الأطروش حفيد الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وغيرهما من الأشراف العلويين، أمثال أحمد بن محمد، والحسن بن القاسم، وجعفر بن الحسن، والمهدي بن الحسن.

  ثالثًا: الإمام علي السجاد

كان الإمام علي السجاد (عليه السلام) الناجي من مذبحة كربلاء، وقد تفرغ، بوصفه إمامًا، لترتيب البيت العلوي وإقامة المدارس العلمية، واهتم بالخدمة العامة، وواجه طغيان بني أمية وفضح جرائمهم إعلاميًا.

كما قاد حركة إصلاحية روحية وفكرية، وحافظ على بقية أتباع آل البيت من الإبادة الشاملة، متبعًا سياسة الحكمة والتقية.

ومن أبرز أولاد الإمام السجاد (عليه السلام) الإمام محمد الباقر، الإمام الخامس، الذي حضر واقعة كربلاء وكان عمره آنذاك نحو أربع سنوات. كما شهد أحداثًا مهمة، مثل واقعة الحرة وضرب مكة، وعاصر نشوء الثورات والحركات المعارضة للأمويين، واصطدم معهم أكثر من مرة. وكان زاهدًا وعابدًا وعالمًا جليلًا، وبلغ في العلم درجات سامية، وكانت له صولات في ذلك.

ومن أولاده أيضًا الإمام زيد بن علي، صاحب الثورة، والشهيد والعالم الشجاع، الذي قاد ثورته في الكوفة، ثم استشهد وصُلب. وثار من بعده ابنه يحيى، الذي ذهب إلى خراسان وأخذ يدعو إلى الثورة، واستطاع تكوين جيش من الثائرين، لكن ثورته انتهت باستشهاده وصلبه أيضًا، ودُفن في مدينة جوزجان، بالقرب من أفغانستان.

ومن أولاد الإمام السجاد (عليه السلام) كذلك عبد الله الباهر والحسين الأصغر، وهما من العباد والزهاد الأجلاء ومن الشخصيات الهاشمية المرموقة.

ومن أولاد الإمام الشهيد زيد بن علي السجاد: عيسى بن زيد، ومحمد بن زيد، والحسين بن زيد. وقد شاركوا، هم وأحفادهم، في معظم الثورات ضد الأمويين والعباسيين، مثل ثورة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم.

وكان حفيدهم محمد بن محمد بن زيد، وعمره عشرون عامًا، قد أصبح الإمام الثاني والقائد لمعركة أبي السرايا في زمن المأمون العباسي، بعد سيطرة العلويين مدة أربع سنوات على معظم أقاليم الدولة العباسية، لكن الثورة انتهت بمقتله وأسره، ثم سجنه وتسميمه.

أما عيسى بن زيد، فقد تخفى في الكوفة وبايعه الكوفيون، وظل سنوات طويلة يشكل تهديدًا للعباسيين، لكنه آثر التخفي لعدم توافر الظروف المناسبة للثورة.

ومن أولاد الإمام السجاد (عليه السلام) ابنه عمر الأشرف، الذي رُشّح للخلافة مع الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والسيد عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، أثناء انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين. وكان المنسق لهذا الأمر كبير دعاة العباسيين أبو سلمة الخلال، لكن الإمام الصادق (عليه السلام) رفض العرض، ونهى عبد الله الكامل وعمر الأشرف عن الموافقة، لعدم ثقته بالعباسيين وخشيته من غدرهم.

  رابعًا: السيد الحسن المثنى

الشخصية الرابعة التي شكلت أحد أضلاع الثقل السياسي العلوي هي السيد الحسن المثنى بن الإمام الحسن (عليه السلام). وقد نجا هو الآخر من مذبحة كربلاء إلى جانب الإمام السجاد (عليه السلام)، إذ أُصيب بجروح في المعركة، ثم تدخل أخواله وأنقذوه وعالجوه في الكوفة، قبل أن يعود إلى المدينة ويستقر في ينبع، مركز العلويين.

شكّل أولاد الحسن المثنى وأحفاده خطًا ثوريًا بارزًا، وبنوا دولًا مستقلة وإمارات علوية.

ومن أولاد الحسن المثنى: عبد الله الكامل، وإبراهيم الغمر، والحسن المثلث، وأمهم فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السلام).

ومن ذرية عبد الله الكامل، الشيخ الطالبي، برز أولاده كثوار وصُنّاع دول، ومنهم محمد النفس الزكية، الذي ثار على العباسيين مع أخيه إبراهيم في المدينة ومكة والبصرة.

وبسبب هذه الثورة وتداعياتها، صدر القرار العباسي بسجن العلويين وتهجيرهم جميعًا، حتى الصبيان منهم، من المدينة إلى الكوفة والحيرة. وسُجن عبد الله الكامل وإخوته وأبناء إخوته الستة في سجن الهاشمية في الحلة، ثم هُدم السجن عليهم، فاستشهدوا جميعًا وهم صائمون.

كما جيء بالإمام الصادق (عليه السلام) من المدينة إلى الحيرة، ووُضع تحت الحجز والمراقبة.

وتُعد هذه الحادثة من أكبر وقائع تهجير العلويين عبر تاريخهم؛ إذ تقول المصادر إنه لم يُستثنَ أحد، حتى المحتلمون، ويُقصد بهم البالغون أو الصبيان.

 ثورة فخ

جاءت بعد ذلك ثورة فخ بقيادة الحسين بن علي الفخي، بن علي العابد، بن الحسن المثلث. وقد استشهد الثلاثة؛ الحسين في المعركة، والحسن المثلث وعلي العابد في سجن الهاشمية.

وعن ثورة فخ، يُنقل عن الإمام الجواد (عليه السلام) قوله:

«لم يكن لنا مصرع بعد الطف أعظم من فخ».

خرج الثوار في مكة بالقرب من جبل يسمى فخ، واشتبكوا مع جيش جرار من العباسيين، وقُتل في هذه المعركة مئة وعشرة علويين، وحُملت رؤوسهم إلى بغداد، في ثاني أكبر مجزرة بعد واقعة الطف.

وتمكن إدريس بن عبد الله الكامل وأخوه يحيى بن عبد الله الكامل من النجاة من المعركة. وأسس إدريس دولة الأدارسة، التي استمرت في عهد أولاده وأحفاده أكثر من مئة وتسعين عامًا.

أما يحيى، فذهب إلى بلاد الديلم، والتف الناس حوله، وأراد الثورة. لكن هارون الرشيد أرسل إليه يحيى البرمكي للتفاوض معه، وعرض عليه الأمان، ثم عاد فسجنه. وتوفي يحيى في السجن بعد أن مُنع عنه الطعام والشراب، فاستشهد جوعًا وعطشًا.

وقبل سجنه للمرة الأخيرة، كان البرمكي قد هرّبه من السجن الأول تعاطفًا معه، ثم أعاده الرشيد إلى السجن من جديد، لكن البرمكي دفع ثمنًا باهظًا جراء ذلك.

ومن أبناء عبد الله الكامل أيضًا السيد موسى الجون، الذي ظل متخفيًا بعد المطاردة والجلد، ثم توفي في زمن هارون الرشيد، لكن أحفاده حكموا اليمن ومكة والحجاز سنوات طويلة.

  الإمام الصادق وأبناؤه

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) هو الإمام السادس، ويُنسب إليه انتشار المدرسة الفقهية والكلامية للاثني عشرية والإسماعيلية. ويُعد واحدًا من كبار علماء المسلمين الذين أثروا الفكر الإسلامي، وهو صاحب المذهب الجعفري.

وقد اصطدم الإمام الصادق بالأمويين والعباسيين، كما بينّا سابقًا، إذ أُحرق بيته وصودرت مزرعته، ونُقل من المدينة، ووُضع تحت أنظار العباسيين في الحيرة. وكان يتمتع بالهيبة والحكمة والقدرة على الإقناع، وكان العباسيون يخشونه ويجلّونه، ويخافون التفاف الناس حوله.

ومن أولاده الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، الإمام السابع، الذي قضى سنوات من عمره الشريف في السجون. وبسبب مكانته العلمية، كان دائم الاصطدام مع العباسيين، فقد عاصر المنصور والمهدي والهادي والرشيد، واستشهد في السجن مسمومًا بأمر هارون الرشيد.

ومن أولاد الإمام الصادق (عليه السلام) أيضًا إسماعيل بن جعفر، وهو أكبر أبنائه، وقد توفي في حياة أبيه. ومنه ومن أحفاده تأسست العقيدة الإسماعيلية، وبُنيت الدولة الفاطمية، التي استمرت قرونًا بوصفها إمبراطورية شيعية في مصر.

ومن أبنائه كذلك عبد الله الأفطح، الذي تولى الإمامة مدة قصيرة بعد وفاة والده، وتبنته فرقة أخرى سُميت بالفطحية.

ومنهم محمد الديباج، الذي سُمي بالديباج لحسنه وجماله. وفي عهد المأمون حدث اضطراب سياسي كبير بين المأمون والأمين، كما وقع ظلم على العلويين، فلجأ الثوار العلويون إليه. وكان شيخًا كبيرًا ومحبوبًا، وطلبوا منه أن يبايعوه خليفة، لكنه تردد ورفض، ثم وافق بعد إلحاح من ابنه وبعض العلويين من أجل الإصلاح.

وبعد صراعات كثيرة، تنازل عن دعوته وطلب الأمان، بتدخل من ابن أخيه الإمام الرضا (عليه السلام).

ومن أولاد الإمام الصادق أيضًا علي العريضي، الذي عُرف بالعلم والزهد والعبادة، وكانت له مواقف ثورية وسياسية، وخرج مع من خرجوا ضد العباسيين في مكة زمن المأمون.

نشأ السيد علي تحت رعاية أخيه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وكانت علاقته بالإمام قائمة على العلم والطاعة، وظلت طاعته مستمرة للإمام علي الرضا (عليه السلام).

## ثورات أبناء الإمام الكاظم

كان للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أولاد وأحفاد ثوار، شارك بعضهم في ثورة أبي السرايا في الكوفة ضد العباسيين. ومنهم السيد زيد النار، الذي أصبح واليًا على الأهواز والبصرة.

ومنهم إبراهيم بن الإمام موسى بن جعفر، الذي خرج من مكة إلى اليمن، وبسط نفوذه وسيطرته على مناطق واسعة منها، وتقلد الحكم هناك مدة من الزمن، داعيًا لابن عمه ابن طباطبا، من أحفاد الإمام الحسن (عليه السلام).

 آخر الثورات العلوية في العهد العباسي

من الثورات العلوية المتأخرة في العهد العباسي ثورة يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي السجاد، في زمن الخليفة المستعين بالله.

ثار يحيى في الكوفة واستولى عليها، وحصل على تأييد واسع، لكن العباسيين جهزوا له جيشًا كبيرًا، وانتهت المعركة باستشهاده وإخماد ثورته.

ثم جاءت ثورة علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي السجاد، في زمن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وثورة عبد الرحمن بن أحمد في عهد المعتصم، وكان شعار الاحتجاج: «الرضا من آل محمد».

وفي عهد الإمام علي الهادي (عليه السلام)، قامت ثورة محمد بن صالح بن موسى بن عبد الله بن الحسن، والحسن بن زيد، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عيسى بن الحسن، وهو من أحفاد الإمام الحسين (عليه السلام)، وأخيه أحمد.

وكانت آخر ثورة مهمة بقيادة محمد بن القاسم، وانطلقت من طلقان في أفغانستان. وجرت معركة مع العباسيين تمكنوا خلالها من إفشال الثورة وأسر قائدها ابن القاسم، ثم جيء به إلى سامراء وسُجن هناك.

لكن العلويين تمكنوا من تهريبه من السجن، فاختفى بعد ذلك في طلقان أو واسط، ولم يظهر لاحقًا. وتؤمن بعض الفرق الزيدية بأنه سيظهر في آخر الزمان.

  الخلاصة

نستنتج من هذه القراءة أن العلويين، بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، لم يستكينوا، وظلت الأجيال اللاحقة تحمل جينات الثورة.

ولم يعتدِ العلويون على أحد، وإنما كانوا يدافعون عن الإسلام المحمدي، ولم يطمحوا إلى السلطة، بل كانوا يواجهون القمع والظلم والاضطهاد والمصادرة والتهجير بالاحتجاج والثورة وبناء الدول المستقلة.

وقد استمرت بعض هذه الدول قرونًا، مثل الدولة الفاطمية في مصر، والدولة الإدريسية في المغرب، والدولة العلوية في طبرستان.

كما استمرت بعض ثوراتهم سنوات، ومنها ثورة أبي السرايا في زمن المأمون، التي استمرت أربع سنوات، وسيطر العلويون خلالها على أقاليم إسلامية امتدت من الأهواز إلى البصرة والكوفة ومكة والمدينة وخراسان.

وكان المسلمون يشعرون أن العلويين يمثلون السلطة الدينية والسياسية الشرعية، وحظيت ثوراتهم بتأييد العلماء والفقهاء وكبار الصحابة.

أما استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد تركز الحزن السنوي عليه، وأُقيمت مجالس العزاء والمواساة، وأُحييت ذكرى استشهاده، بدءًا من الدولة البويهية في بغداد، وصولًا إلى القاهرة في عهد الدولة الفاطمية، التي نظمت العزاءات والطقوس سنوات طويلة.

أما الظالمون المعتدون، فلا نعرف لهم أثرًا ولا قبورًا:

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾

الثورات_العلوية.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!