قبل سنوات طويلة ونتيجة لحوار مع قسيس يمتلك مصنعا للخمر في الموصل في منطقة بعشيقة.(1) قمت بتأليف كرّاس صغير عنوانهُ (خمر الجنة، هل شرب يسوع الخمر). في هذا الكراس استعرضت نصوص تحريم وحلية الخمر في الكتاب المقدس ــ ومن بينها حواري مع القس ــ . فوجدتها فوضى عارمة. تحليلها وتحريمها يخضع لأمزجة رجال الدين المسيحي. ثم اتجهت للتفاسير المسيحية فوجدت التناقض الهائل في تفاسيرهم. بحيث يصعب على أي باحث الخروج بنتيجة واضحة.
سبب الحوار أن قسا كان يذكر في عظته كل أسبوع بأن يسوع سكب خمرا وأعطى تلاميذه الاثنا عشر ليشربوا وقال لهم : هذا دمي للعهد. ونحن نشربها لكي نقطع العهد مع يسوع. وكان يتلوا هذا النص دائما: (أخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا: اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي للعهد الجديد).(2) اضطررت لحضور أحد عظاته، لأني دائما ما أسمع الكثير من الشباب عندما يشربون الخمر يتندرون ويقول بعضهم لبعض (اشربوا هذا دم يسوع للعهد الجديد).وهم يغمزون بعض شباب المسلمين.
رفعت يدي، وقلت لهُ: من أين جئت بالخمر يا جناب القس ووضعتها في كأس يسوع في ليلة العشاء الأخير (المائدة)؟. الكتاب المقدس يقول : تم ناولهم الكاس . ولم يقل ماذا في الكاس هل هو لبن ، ماء ، حليب ، عصير .
فقال القس : إذا كان يسوع صنع من سبع أجران ماء خمرا معتقا رائقا ، فلماذا لا نؤمن ان الذي في الكاس كان خمرا. وهو يشير بذلك إلى نص إنجيل يوحنا الذي قرأهُ مرة أخرى أمام الحضور: (كان عرس في قانا الجليل، وكانت أم يسوع هناك. ودعي أيضا يسوع وتلاميذه إلى العرس. ولما فرغت الخمر، قالت أم يسوع له: ليس لهم خمر وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك، قال لهم يسوع: املأوا الأجران ماء. فملأوها إلى فوق. ثم قال لهم: استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكإ. فقدموا. فلما ذاق رئيس المتكإ الماء المتحول خمرا قال : كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولا، ومتى سكروا فحينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن!).(3)
فقلت له: وما علاقة هذا النص، بيوم المائدة؟ (4)
قلت له: يا جناب الأب أسألك سؤال أتمنى أن تجيبني عليه بعلم وصدق وإيمان. من أين جاء يسوع المسيح بالخمر التي صنعها في أجران الماء؟. هل صنعها من التمر، أو الكزبرة، أو الشعير. قال : لا لم يصنعها إنما هي معجزة؟
قلت لهُ تمام. ولكن من أين جاءت هذه الخمر التي وصفها رئيس المتكأ بأنها (خمرٌ جيدة). لم تُسكرهُ ولكنها أطربته وانتشى بها. ووصف الخمر التي قدّموها في بداية الحفل بأنها خمر رديئة (خمر الدون). وأنت يا جناب الأب خبير في هذه الأمور ومصانع الخمر التي تملكها لربما تُقدم إجابة لهذا السؤال. فقال :هل تسخرين منّي؟
قلت له : لا ، ولكن انظر للمستمعين كيف يبحلقون بأعينهم وشرعوا آذانهم لكي يحصلوا على الجواب. فهزّ المستمعون رؤوسهم علامة الإيجاب وتأييدا لكلامي .
فسكت، لأن مصانع الخمر التي يملكها لا تُقدم لهُ سوى جواب واحد. الخمر تُصنع من مواد وتحتاج إلى اشهر من التخمير ، وأسابيع من التقطير، ويسوع صنعها بإشارة من يده، فمن أين جاء يسوع بالخمر؟.
التفت القس وعلامات الخذلان بادية بوضوح على وجهه وهو يقول : افيدينا ، برأيك كيف صنع يسوع خمر الأجران فكانت الخمر جيدة جدا لذة للشاربين.
قلت لهُ: يا جناب الأب وهل تؤمن بما سوف أقوله؟ فقال : إذا كان بالدليل نعم سوف اؤمن به.
قلت له : يا جناب الأب أن يسوع المسيح نقي طاهر مطهّر، لم يُخالط الخمر بدنه. ويسوع نفسه يقول بأنه لم يفعل شيئا من نفسه بل الله هو الذي علّمهُ كما نقرأ: (فقال لهم يسوع: لست أفعل شيئا من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علمني الله).(5) فبكى من بكى من الحضور، وصاحت بنت شابة: لماذا لم يذكروا لنا هذا الكلام.
إذن من ذلك نفهم أن يسوع المسيح المظلوم إنما طلب من ربه أن يملأ الأجران بالخمر، ولكن من أين هذه الخمر ؟ أنها يا جناب الأب من (خمر الجنة) الطاهرة. لأن الله حرّم على يسوع أن يشرب من خمر الدنيا : (لا تكن بين شريبي الخمر، المتلفين أجسادهم).(6) لا بل الرب الله تشدد مع نبيه بأن منعهُ من أن يأكل بالإناء الذي فيه خمر كما نقرأ (من كل ما يخرج من جفنة الخمر لا تأكل، وخمرا ومسكرا لا تشرب).(7)
ثم قلت للقس: يا جناب الأب هل تعرف الفرق بين (الخمر) و (المسكر). فأخذ القس يتلفت محرجا. فبادرته إنقاذا لهُ من الإحراج وقلت: يا جناب القس الخمر أنت تعرفها افضل مني وهي ما تصنعهُ في المعامل الثلاث خاصتك من التمر والكزبرة والعنب. ولكن كل مسكر يتم ذكره مقترنا بالخمر إنما يقصد به الرب الأشياء الجامدة أيضا، وهو ما نصطلح عليه اليوم (المخدرات) بكل أنواعها. والذي تعرفه باسم (الفارماكيا).( 8 ) يا جناب الأب أن هذه الخمر المعجزة دليل آخر على ان يسوع مُرسل من الرب الله ، وان ورائه رب يسمع لهُ ويُقدم له كل ما يثبت بأنهُ نبي، مما يعجز عن القيام به الإنسان. وهو أحد المعاجز الكثيرة التي صنعها يسوع : كشفاء الأبرص ، والأعمى ، والأخرس ، والعرج.(9) ولذلك أشار يسوع المسيح إشارة لطيفة جدا بعد إعجاب الشاربين للخمر التي صنعها (خمر الجنة) حيث أشار لهم بأنهُ لا يشرب من هذه الخمر حتى يرد على ربه فقال : (الحق أقول لكم: إني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديدا في ملكوت الله).(11) ثم التفت يسوع إلى الجموع وقال : (إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي والهكم.. ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون. وأخذتهُ سحابة عن أعينهم).(12)
لقد بكى الجميع. حتى القس رأيتهُ يُغالب لربما دمعة حبيسة في عينيه. ولذلك لا أستغرب عندما يقول القرآن : (وإذا سمعوا ما أنـزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق).(13)
المصادر:
1- (لهُ فروع في برطلة والحمدانية. واشهر محلاته تقع في حي الزهور والدواسّة. وكانت الكنائس كلها في العراق ودول أخرى تشتري منهُ (نبيذ المناولة) أو كأس الدم المقدس، وهو حسب العقيدة المسيحية سرّ القربان المقدس الذي يتحول إلى دم المسيح في بدن الشارب بعد تناوله. وكانت معامل هذا القس تقوم بإنتاج خمورها بتقطير عصارة التمر ، ونقيع مادة الينسون ــ الحبة الحلوة ــ وكان اشهر منتجاته : زحلاوي.
2- إنجيل متى 26: 27.
3- إنجيل يوحنا 2 : 7.
4- طلب يسوع من التلاميذ ان يعدّوا المائدة لهُ وهي مائدة العشاء الأخير التي كانت اختبارا لهم. وهي مذكورة في إنجيل لوقا 22 : 21.وهي نفسها المذكورة في القرآن المقدس : (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء).() سورة المائدة: 114. الفرق أن الأناجيل تقول بأن التلاميذ أعدوا المائدة، بينما القرآن يقول بأن الرب أنزلها بطلب من يسوع.
5- إنجيل يوحنا 8 : 28.
6- سفر الأمثال 23 : 20.
7- سفر القضاة 13: 14.
8- صحيح أنهُ لا فرق فالكل مسكّر. ولكن في تعريف المسكر تقول القواميس : (هو كل شراب أو مادة تُغطي العقل وتُذهبه، بغض النظر عن اصل صنعته أو استخراجه. والفارماكيا، هي مواد جامدة صلبة يتم خلطها أو يستخلصوها من بعض النباتات ويستخدموها في الطقوس وهي تؤثر في الوعي، وتخلق هلوسة. مثل الحشيشة والترياك وغيرها. وقد اشتقوا منها اسم (الصيدلية).
9- (قال يسوع : إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون). إنجيل لوقا 7 : 22.
10- إنجيل مرقس 14 : 25.
12- إنجيل يوحنا 20: 17. و : سفر الأعمال 1 : 9.
13- المائدة آية : 83.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!