كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

رفوف (1) حين تتحول «الميانة» إلى اقتحام للخصوصية

للقراءة طعم خاص يتماهى مع متعة التماثل مما تعانيه، وما تشكو منه، أو تفرح به، حتى يقول المثل العراقي: كلام ينزل ماء بارد على القلب، والمعروف لا ينزل الماء الذي تشربه إلى القلب مطلقاً؛ فالجهاز الهضمي منفصل تماماً عن الجهاز الدوري.

وهذه العبارة مجرد تعبير مجازي شعبي يُستخدم للتعبير عن الشعور بالارتياح، أو الانتعاش، أو الهدوء بعد طمأنينة، وهذا الشعور امتلكني وأنا أقرأ موضوعاً بعنوان: (التدخل في خصوصيات الآخرين داء يهدد المجتمع!) للكاتب باقر مهدي، نشر في موقع كتابات في الميزان في: 2017/09/10.

كنت أعاني من تنمر الآخرين الذي أزعجني كثيراً وآلمني مما حصل من تجاوزات من طرف واحد، وهم يدخلون البيت من طرف الميانة والقرابة، وتحت ذريعة: نحن أهل.

كتب الإمامُ عليٌّ عليه السلام إلى عبدِاللَّهِ بنِ العبّاسِ: «أمّا بَعدُ، فاطلُبْ ما يَعنيكَ واترُكْ ما لا يَعنيكَ؛ فإنّ في تَركِ ما لا يَعنيكَ دَركَ ما يَعنيكَ».

يشخص لنا الكاتب باقر مهدي هذه الظاهرة بأنها مرض فتاك اجتاح المجتمع، ولعل هذا المرض هو من الأمراض المعدية أيضاً، حيث يعتبر مرض التدخل في خصوصيات الآخرين من الأمراض المزمنة التي لم يجد لها العالم علاجاً حتى الآن.

ما زلنا نلاحظ باستمرار كيف أن الكثير من الناس يتدخلون في خصوصيات الآخرين، وهي من غير الطبيعي أن يترك الإنسان شؤونه الخاصة ويتدخل في خصوصيات الآخرين وأسرارهم الشخصية، فلكل إنسان خصوصياته وأسراره الشخصية التي لا يرغب في إطلاع الآخرين عليها؛ لأنه يعتبر حراماً وحصناً داخلياً لا يحق لأحد اقتحامه من غير إذنه.

فكما لا يجوز لأحد أن يقتحم دار غيره إلا بإذنه، كذلك لا يجوز لأحد أن يقتحم على الآخرين حياتهم الخاصة وشؤونهم وقضاياهم الشخصية من غير رغبتهم؛ لأنه ملك شخصي لهم.

ومن يدخل إلى البيوت تحت عنوان التراحم عليه أن يدرك أن البيوت أمانات، وإذا كان من الآداب احترام خصوصيات الآخرين وأسرارهم الشخصية، فإن من قلة الأدب التلصص والتطفل من أجل الاطلاع على الحياة الخاصة للآخرين، أو محاولة معرفتها من دون إذن صاحبها.

ليست من شأنهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وجود خلل في الذوق العام، بل أراه خللاً في التربية والأخلاق والتكوين العائلي.

وإذا كان: (مِن حُسنِ إسلامِ المَرءِ تَركُهُ ما لا يَعنيه)، فإن من أجلى مصاديق ذلك احترام خصوصيات الآخرين وأسرارهم الشخصية، وإن التغافل عما تعلم منها من أشرف أفعال الكريم.

فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنه قال: «أشرَفُ أخلاقِ الكريمِ تَغافُلُهُ عمّا يَعلَمُ»، وقوله (عليهم السلام): «مِن أشرَفِ أعمالِ (أحوالِ) الكَريمِ غَفلَتُهُ عمّا يَعلَمُ».

فكيف بمن يعمل على الزيف والتضليل وتسويف الحقيقة من أجل خلق المؤثر الجاذب والمؤذي؟

فمن أسوأ الأخلاق هو التحدث عن خصوصيات الآخرين وأسرارهم الشخصية، ونشرها أمام الآخرين بهدف الإساءة إليهم وإيذائهم، وربما يؤدي ذلك إلى إيجاد مشاكل عائلية أو أخلاقية أو اجتماعية، وهو نوع من أنواع التعدي والعدوان على الآخرين، وهو أمر محرم.

كثيرة هي سبل التدخل في الحياة الخاصة للآخرين عن طريق تتبع أخبارهم، ومراقبة أفعالهم، أو من خلال سؤالهم عن شؤونهم الخاصة، أو محاولة معرفة كل شيء عنهم من خلال سؤال أقاربهم أو أصدقائهم، وهذا الأمر ليس من الأخلاق والآداب في شيء.

التزاور العائلي له أصوله ومعناه الإنساني والإسلامي، وهذه النزعة الفضولية والتجاوزات اللاإنسانية تجدها عند العوائل التعبانة، ولن تجدها في المجتمعات المتقدمة والراقية، حيث يكون السؤال عن الحال سؤال مودة، وليس نبضاً تجسسياً يكون محتوى لإشاعة أكبر من محتواها الحقيقي، مبجلاً بالشماتة تحت يافطة: اللهم لا شماتة.

أعتقد بأننا كمجتمع نحتاج إلى الاهتمام بمثل هذه المواضيع الاجتماعية بواسطة أكثر من فن وأسلوب، عسانا ندرك العيب والحرام.

✦ كتابات في الميزان ✦

في أولى حلقات «رفوف»، تتحول قراءة قديمة عن التدخل في خصوصيات الآخرين إلى مرآة لتجربة شخصية واجتماعية أوسع. فالقرابة والمودة لا تعنيان إلغاء الحدود، والسؤال عن الحال يختلف عن التفتيش في حياة الناس. قراءة تذكّرنا بأن احترام الخصوصية ليس جفاءً، وإنما واحد من أجمل أشكال الاحترام.

الخصوصية.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!