في كل مناسبة دينية أو اجتماعية، تُنسب الأخطاء إلى أصحابها، ولا تُحمَّل الشعيرة نفسها مسؤولية الانحرافات الفردية. فلو تصرف صائم برياء، قيل إن المشكلة في سلوكه لا في الصيام، ولو استغل تاجر موسمًا دينيًا لرفع الأسعار، عُدَّ ذلك جشعًا شخصيًا لا عيبًا في أصل المناسبة.
لكن الأمر يبدو مختلفًا عند بعض المنتقدين حين يتعلق بالشعائر الحسينية؛ إذ تتحول الأخطاء الفردية فيها إلى ذريعة للطعن بالشعيرة كلها، وكأن ملايين القلوب التي اجتمعت على حب الإمام الحسين عليه السلام يمكن اختزالها في تصرف عابر أو سلوك محدود.
حين يبالغ بعض التجار في أسعار الملابس السوداء، يُقال إن عاشوراء أصبحت موسمًا للاستغلال، وإذا اهتم بعض المشاركين بأناقة مظهرهم، قيل إن الشعائر تحولت إلى ساحة استعراض.
والحقيقة أن أي ظاهرة جماهيرية بهذا الاتساع لا يمكن أن تخلو من أخطاء جزئية، وهذه الأخطاء يجب أن تُعالَج في حدودها، وأن يُوجَّه أصحابها، لا أن تتحول إلى مطعن في هوية عاشوراء ورسالتها الإنسانية والدينية.
فالشعائر الحسينية ليست طقوسًا عابرة فحسب، بل ظاهرة روحية واجتماعية واسعة تجمع الناس على قيم التضحية والوفاء والإيثار، وتلتقي فيها أعمار وطبقات وثقافات متعددة.
ومن الطبيعي أن تمتلك كل شعيرة خصوصيتها وأسلوبها في التعبير عن الحزن والولاء، كما أن من الطبيعي أن تظهر أحيانًا بعض الممارسات غير المنضبطة التي تحتاج إلى توجيه وتقويم.
لكن التقويم شيء، والتشويه شيء آخر.
فإذا أخطأت امرأة في مظهرها أو بالغت في زينتها، فإن الخطأ يعالج بوصفه سلوكًا فرديًا، ولا يصح أن يتحول ذلك إلى دعوة لإقصاء النساء عن المشاركة في الشعائر، متناسين آلاف النساء اللواتي يقدمن صورًا مشرّفة من الخدمة والتفاني؛ من إعداد الطعام والخبز، إلى خدمة الزائرات، ورعاية المواكب والمخيمات، والعمل بصمت وإخلاص.
وهذا المشهد الخدمي ليس هامشيًا؛ فالمواكب الحسينية المسجلة لخدمة زائري الأربعين في كربلاء تجاوزت في موسم 2026 خمسة عشر ألف موكب، بحسب مركز كربلاء للدراسات والبحوث، في صورة تعكس حجم العمل التطوعي والتنظيم الخدمي.
وفي المقابل، هناك من يبحث في عاشوراء عن الزاوية السلبية وحدها، فيغفل ما تحمله المناسبة من صور للكرم والتكافل والعمل التطوعي.
فحين تتنافس المواكب في إطعام الزائرين وتقديم الماء والخدمات لهم، قد يفسر البعض ذلك بأنه ترف أو استعراض، مع أن هذه المواكب نشأت أساسًا على مفهوم الخدمة وإكرام زائر الإمام الحسين عليه السلام، وبعضها يقدم آلاف الوجبات يوميًا بجهود ذاتية وتبرعات محدودة.
وهنا يبرز سؤال مهم:
هل من الوفاء لعطش الحسين عليه السلام أن يُضيَّق على الزائر في الماء والطعام؟
أم أن من أجمل صور المواساة أن يُستقبل الزائر بالحفاوة والكرم، وأن تتحول ذاكرة العطش في كربلاء إلى ثقافة في السقيا والعطاء؟
إن هذا المعنى هو الذي يجعل كوب الماء في طريق الحسين أكثر من مجرد ماء، والرغيف أكثر من مجرد طعام؛ إنه تعبير رمزي عن الرفض الأخلاقي لما جرى في كربلاء، واستعادة لمعنى الكرم في مواجهة الحرمان.
وقد حيّرت الشعائر الحسينية بعض أصحاب الانتقاد الدائم؛ فإن أظهر الناس الحزن والبكاء قيل: لماذا كل هذا الحزن والحسين عليه السلام في الجنة؟
وإن قدّموا الخدمة بوجه بشوش وتنظيم راقٍ، قيل: لا يليق بعاشوراء هذا المظهر!
وكأن المطلوب أن تبقى الشعائر محاصرة بين صورتين متناقضتين لا ترضي إحداهما المنتقد.
لكن الشعيرة لا تُقاس بهذه الطريقة.
فالحزن على الإمام الحسين عليه السلام لا يعني أن يعيش الإنسان طوال أيام المناسبة في صورة واحدة من التعبير، والخدمة لا تتناقض مع الحزن، والابتسامة في وجه الزائر ليست فرحًا بالمصيبة، وإنما خُلُق في الضيافة.
المشكلة، إذن، ليست في وجود النقد؛ فالنقد المسؤول مطلوب، بل إن الشعائر نفسها تحتاج إلى مراجعة دائمة وتنظيم وتوجيه، كما تحتاج أي ممارسة جماهيرية كبرى.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهفوة إلى قاعدة، والفرد إلى ممثل لملايين الناس، والحادثة الصغيرة إلى حكم شامل على الشعيرة كلها.
فالإنصاف يقتضي أن نقول للمخطئ: أخطأت.
ولا نقول للشعيرة كلها: أنتِ الخطأ.
كما يقتضي الإنصاف ألا تُمحى أمام خطأ فردي مشاهد الآلاف ممن يقفون ساعات طويلة لخدمة الزائرين، ولا صور الأطفال والشباب والنساء وكبار السن وهم يقدمون الماء والطعام والرعاية بلا مقابل.
وحتى في عاشوراء، تظهر المواكب الخدمية والعزائية بأعداد كبيرة، وقد أعلنت الجهات المختصة في كربلاء عام 2026 منح مئات الموافقات لمواكب عزائية وخدمية خلال الأيام الأولى من المحرم، ضمن تنظيم رسمي للشعائر والخدمات.
إن الشعائر الحسينية، في جوهرها، مدرسة للكرامة والإنسانية والانتماء والوفاء.
ولا يعني الدفاع عنها إنكار الخطأ، بل إن الدفاع الحقيقي عنها يقتضي تصحيح الخطأ نفسه؛ لأن قدسية الشعيرة لا تكون ستارًا يختبئ خلفه المسيء.
وكما أن الخطأ الفردي لا يهدم الشعيرة، فإن الانتساب إلى الشعيرة لا يبرر الخطأ.
وهنا تكمن المعادلة العادلة:
نحمي الشعيرة من التشويه، ونحميها أيضًا من أخطاء أبنائها.
فالإنصاف لا يكون بالتعميم، والإصلاح لا يكون بالإلغاء، والنقد لا يكون بإدانة الملايين بسبب تصرف فرد.
ويبقى الإمام الحسين عليه السلام أكبر من هفوة هنا أو مبالغة هناك، وتبقى عاشوراء بما تمثله من قيم التضحية والعدل والوفاء عصيّة على أن تختزل في صورة عابرة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش المقال ظاهرة الكيل بمكيالين في تقييم الشعائر الحسينية، حين تتحول الأخطاء الفردية أحيانًا إلى أحكام عامة على عاشوراء كلها. ويدعو إلى منهج أكثر إنصافًا: نقد الخطأ وتقويمه من دون إلغاء جوهر الشعيرة، والتمييز بين قدسية الرسالة وسلوك الأفراد. فالإصلاح الحقيقي يحمي الشعائر من التشويه كما يحميها من ممارسات المسيئين إليها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!