كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المونولوج الداخلي في سور القرآن الكريم "سورة مريم أنموذجًا"

 المونولوج الداخلي واحد من أبرز التقنيات التعبيرية التي تتعلق بالعالم النفسي للشخصية داخل النص، وهو يُعنى عادة بنقل الأفكار والمشاعر والهواجس الإنسانية الداخلية قبل تحولها إلى خطاب موجَّه إلى الآخرين.

ارتبط هذا المصطلح في النقد الأدبي الحديث بالرواية والقصة بداية، لكن هذا لا يعني اقتصاره عليهما، ولا يعني حداثته؛ فالمتأمل في النص القرآني يمكن أن يكشف عن حضور لافت ومميز لهذه التقنية التعبيرية في عدد من السور والقصص القرآنية، إذ دأب الخطاب القرآني على إبراز الحركة الداخلية للشخصيات، كتقنية لجعل القارئ شريكًا في معايشة لحظات القلق والرجاء والخوف والتأمل التي تعتري الشخصيات في قصصه.

ومن الأهمية بمكان الإشارة بداية إلى أن هذا المصطلح ينتمي أصلًا إلى حقل الدراسات السردية الحديثة، التي هي حقل نقدي يدرس، فضلًا عما يرويه النص، كيفية بناء السرد (الحكاية) وآليات اشتغاله.

من حيث التأسيس، يُنسب استخدام المصطلح إلى الناقد والكاتب الفرنسي إدوار دوجاردان، الذي أورده في رواية نشرها سنة 1888. وبعدها عدّ كثير من الباحثين ذلك كأول محاولة واعية لتطبيق هذه التقنية بصورة قريبة من مفهومها الحديث.

ولاحقًا، ارتبط هذا المنهج بأعمال روائيين كبار، مثل الأديب والروائي الأيرلندي جيمس جويس (1882ـ1941)، الذي يُعد أحد أبرز رواد الحداثة الأدبية في القرن العشرين، بعد أن استفاد من تجربة دوجاردان وطوّرها واعترف بذلك.

ومثله الروائية والناقدة الإنجليزية فرجينيا وولف (1882ـ1941)، التي اشتهرت بتوظيف تيار الوعي والمونولوج الداخلي للكشف عن العالم النفسي للشخصيات، مركزة على تدفق الأفكار والانفعالات أكثر من الأحداث الخارجية. فهؤلاء كانوا من أوائل من سعى إلى تمثيل تدفق الأفكار والانفعالات داخل وعي الشخصية.

لكن، مثل أي موضوع آخر، هناك ما يؤكد أن الأعم الأغلب من الظواهر العلمية والفنية يسبق وجودها عادة وضع مصطلحاتها النقدية؛ فوجود التسمية الحديثة لا يعني غياب التقنية في النصوص الأقدم.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عدد من المقاطع القرآنية كصور متقدمة من التعبير عن هذا المنهج، فهناك العديد من آيات القرآن الكريم حاولت نقل ما يدور في النفس من تأملات وصراعات داخلية إلى القارئ.

علمًا أن القرآن الكريم لم يستخدم هذه التقنية لأغراض فنية محضة، وإنما وظفها ضمن سياق هدايته للإنسان، فجعل منها جزءًا من بناء المعنى الديني والأخلاقي للنص.

وتُعد سورة مريم واحدة من أكثر السور القرآنية احتواءً على هذا النمط من التعبير، لما تضمنته من حوارات ذاتية ومناجاة داخلية عكست حالات نفسية وإنسانية، الأمر الذي جعلها نموذجًا لدراسة المونولوج الداخلي في القرآن الكريم.

وقد ظهر المونولوج الداخلي في مطلع السورة من خلال مناجاة النبي زكريا (عليه السلام) لربه: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3].

حيث نلاحظ في كلمة «خفيًا» دلالة نفسية؛ فالخطاب ليس موجهًا إلى الآخرين، وإنما نبع من أعماق ذات تحمل همًّا يتمثل في الخوف من انقطاع الرسالة.

فضلًا عن ذلك، كشف قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: 5] عن صوت داخلي جاء ليعبّر عن قلق مستقبلي يتجاوز الرغبة الشخصية في الإنجاب إلى الحرص على استمرار الهداية والنبوة.

وعندما واجهت السيدة مريم حدث الحمل المعجز وما سيرافقه من تبعات اجتماعية ونفسية، عبّر الخطاب القرآني عن لحظات توترها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: 23].

فهي لم تقلها في سياق جدل أو حوار مع الآخرين، وإنما نبعت من معاناة داخلية حادة وصراع نفسي خفي. وهنا كشف النص عن قدرة القرآن الكريم على تصوير الأزمة النفسية للإنسان في لحظة المواجهة مع المجهول، دون أن ينتقص ذلك من مكانة الشخصية ولا من إيمانها.

فضلًا عن ذلك، تجلى المونولوج الداخلي في قصة إبراهيم (عليه السلام) مع أبيه، في صورة أبانت تداخل مشاعر الرحمة والخوف والشفقة مع الدعوة إلى التوحيد.

فهو عندما قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 45]، بدا ظاهر الخطاب يتوجه إلى الأب، لكنه في عمقه الدلالي كشف عن حركة داخلية عميقة في نفس إبراهيم، تتمثل في القلق على مصير والده والرغبة في إنقاذه من الضلال.

وقد تكررت هذه الظاهرة في مواضع متعددة من السورة المباركة، إذ نرى أصوات الأنبياء والعباد الصالحين تتعاقب في صورة مناجاة أو تأمل. وهذا التنوع منح السورة طابعًا إنسانيًا مميزًا، فالشخصيات فيها لم تُقدم كرموز مجردة، بقدر ما بدت ككائنات حية تشعر وتفكر وتخاف وترجو.

نلاحظ، من الناحية الفنية، أن المونولوج الداخلي في سورة مريم أدى عدة وظائف مهمة. أولها تعميق البعد النفسي للشخصيات، فهو يسمح للقارئ بالاقتراب من عالم مريم الداخلي وفهم دوافعها ومشاعرها.

وثانيها تعزيز البعد الإيماني، حيث تحولت المناجاة الذاتية إلى وسيلة لإظهار الصلة المباشرة بين الإنسان وربه. أما الوظيفة الثالثة فتتمثل في بناء التعاطف الوجداني، إذ يجد القارئ نفسه متفاعلًا مع التجارب الإنسانية التي تعرضها السورة، مهما اختلف الزمان والمكان.

ونكتشف، من حيث الإعجاز، أن حضور المونولوج الداخلي في السورة عبَّر عن جانب من الإعجاز البياني للقرآن الكريم، إذ استطاع أن يصور أدق الانفعالات النفسية بألفاظ قليلة مكثفة، نقل من خلالها التجربة الداخلية للشخصيات دون الحاجة إلى الإسهاب أو الوصف المطول.

وفي هذا دلالة على أن القرآن الكريم يخاطب العقل والوجدان الإنساني بكل تعقيداته وأبعاده.

وبذلك قدمت سورة مريم نموذجًا ثريًا للمونولوج الداخلي في القرآن الكريم، من خلال مناجاة زكريا (عليه السلام)، وأزمة السيدة مريم النفسية، ومشاعر إبراهيم (عليه السلام) تجاه أبيه، فضلًا عن المشاهد الأخرى التي كشفت العالم الباطني للشخصيات.

وهذا يؤكد أن النص القرآني سبق الكثير من الأجناس الأدبية الحديثة في توظيف وسائل التعبير عن الذات الإنسانية لخدمة مقاصد الهداية والتربية وبناء الوعي الروحي والأخلاقي لدى المتلقي.

ويعني ما تقدم أن توظيف النقد الأدبي في تفكيك بعض موارد القرآن الكريم يمكن أن يكشف لنا عن أوجه منيرة للقرآن الكريم لا تزال طي الكتمان، وفي ذاك دلالة كبرى للمشككين على صدق سماويته، وأنه من الله سبحانه وتعالى.

✦ كتابات في الميزان ✦

يقرأ المقال سورة مريم من منظور نقدي حديث، كاشفًا حضور المونولوج الداخلي في مناجاة النبي زكريا، وأزمة السيدة مريم النفسية، ومشاعر النبي إبراهيم تجاه أبيه. ويرى أن هذا الأسلوب عمّق البناء النفسي للشخصيات، وعزز الصلة الإيمانية والتعاطف الوجداني لدى المتلقي. كما يؤكد أن توظيف أدوات النقد الأدبي قد يكشف جوانب جديدة من الإعجاز البياني والإنساني في النص القرآني.

سورة_مريم.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!