في العقود الأخيرة للقرن الهجري الأول تصاعدت النقمة الجماهيرية ضد الحكم الأموي، بعد أن أحالت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مشاعر الناس إلى أدوات ضاغطة باتجاه إضعاف الحكم الأموي، الذي تزعّمه البيت المرواني بعد نهاية آل أبي سفيان بموت يزيد وظهور الصراع بين آل مروان ومناصري الحكم الأموي من جهة، وبين آل الزبير ومعارضي الأمويين من جهة أخرى.
وتنامت حالة المعارضة الفكرية إلى معارضة مسلحة أقضّت مضاجع الأُمويين، وفجأة تبرز حركة ثورية معارضة أخرى بزعامة عبد الرحمن بن الأشعث الذي خلع الحجّاج في الكوفة وآزرته جميع التوجهات المعارضة للحجاج، الذي أوغل في دماء المسلمين وأنهك المجتمع الكوفي بتعسفه وجبروته، حتى وجد الناس أنفسهم في بلاءٍ لم ترفعه المعارضة المسلحة وهي بانتظار من يقودها باتجاه التغيير والإصلاح.
وفعلًا، كانت حركة ابن الأشعث قد حققت طموحات الثائرين عندما خلعت الحجّاج واستولت على الكوفة... وانهزم الحجاج حتى ساوم عبد الملك بن مروان على أن يعزل الحجاج ويعطي ابن الأشعث ما يريد، إلا أنّ قرّاء الكوفة أصروا على مواصلة القتال، وكان على رأسهم: سيد القراء وأشهرهم، الذي عرفته الكوفة وأجيالها القادمة بطلًا كما كان عابدًا، وقارئًا كما شجاعًا، ومقاتلًا كما كان متنسكًا.
وأحرز سعيد بن جبير (رضوان الله عليه) وأصحابه تقدمًا على صعيد القتال، لولا الأقدار التي حالت بينه وبين النصر النهائي الذي توقعه الجميع لسعيد ولأصحابه، وانتهت المعركة بأن سجّل سعيد نصرًا آجلًا تستذكره الأجيال كلما مرّ اسمُ سعيد على ذهنها.
وبات هذا الرمز تنصع حقائقه كلما حاول الأمويون الطعن فيه والنيل من شأنه، وكأنما ملحمة سعيد
ابن جبير (رضوان الله عليه) أيقظت الضمائر الراقدة في سبات الاستكانة والتسليم، لتنتفض لسعيد ولتاريخه المشرق، ولم تزل مواقفه أنموذج العالم الذي دعاه علمه لقول كلمة الحق وإعلانها بوجه الحاكم الجائر الذي استعبد البلاد وأذل العباد، وجعل ناسها شِيَـعًا يقتل بعضُهم بعضًا، ويكفّر بعضهم بعضًا.
وقد أطاح سعيد (رضوان الله عليه) بأُسطورة الخلافة التي ادّعاها الأمويون وورثها المروانيون، واستطاع أن يهزم جبروت الحجّاج ويكسر هيبته، وعرف المسلمون شخصية سعيد، واختص بها العراقيون، وذاب فيها الواسطيون؛ فالمسلمون عرفوه ثائرًا، خرج على ظلم الحجاج وتعسفه، والعراقيون ألفوه عالمًا ثائرًا، ومواليًا لأهل البيت (عليهم السلام) محدّثًا عنهم، والواسطيون ما زالت دماؤه الزكية تستنشقها أجيالهم لتذكي فيهم روح الولاء.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!