عندما يتحول التكفير إلى خطر مجتمعي
يُعدّ التطرف والتعصب الديني من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم، لما لهما من آثار مباشرة على الأمن والاستقرار والسلم المجتمعي. فحين يتحول الدين من رسالة قيم وإنسانية إلى أداة للإقصاء والكراهية، يصبح المجتمع مهددًا في وحدته وتماسكه.
إن التطرف لا يعني التمسك بالدين، بل هو الانحراف عنه، والتشدد في تفسيره، ورفض الآخر المختلف دينيًا أو فكريًا. أما التعصب الديني، فيقوم على إلغاء التنوع واعتبار الاختلاف خطرًا يجب محاربته. وتبرز هنا أخطر الممارسات، وهي تكفير الآخرين، لما تحمله من تبرير للعنف والاعتداء وانتهاك الحقوق باسم الدين.
من الناحية القانونية، لا يُنظر إلى هذه الظواهر بوصفها أفكارًا مجردة فحسب، بل كأفعال قد تمس النظام العام وتهدد السلم الأهلي. فالقانون وُجد لحماية الإنسان، وضمان التعايش السلمي بين أفراد المجتمع، ومنع أي خطاب يحرض على الكراهية أو العنف أو التمييز.
لقد سعت القوانين الوطنية، إلى جانب المواثيق الدولية، إلى مواجهة خطاب التطرف والتكفير من خلال تجريم التحريض الطائفي والديني، ومنع الدعوات التي تؤدي إلى إثارة الفتن وزعزعة الاستقرار. فحرية الرأي والتعبير، وإن كانت حقًا مكفولًا، إلا أنها تقف عند حدود عدم الإضرار بالآخرين أو تهديد أمن المجتمع.
ويبرز دور القانون الجنائي بشكل واضح حين يتحول الخطاب المتطرف إلى سلوك فعلي، سواء بالتحريض، أو التهديد، أو التبرير للعنف. فالدعوة إلى تكفير الآخرين لا تُعد رأيًا بريئًا إذا اقترنت بإشاعة الكراهية أو التحريض على الإيذاء، بل تدخل في نطاق المسؤولية القانونية.
ومع ذلك، فإن مواجهة التطرف لا يمكن أن تعتمد على القانون وحده. فهي مسؤولية جماعية تتطلب دورًا فاعلًا من المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية، في نشر ثقافة الاعتدال، وتعزيز قيم التسامح وقبول الآخر. فالقانون يعالج النتائج، أما الوعي فيمنع الأسباب.
إن إحياء أسبوع مكافحة التطرف والتعصب الديني يمثل فرصة حقيقية لتجديد الخطاب المجتمعي، والتأكيد على أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الدين لا يتعارض مع القانون، بل يلتقي معه في حماية الإنسان وصون كرامته.
وفي الختام، يبقى القانون صمام أمان في مواجهة التطرف والتكفير، لكنه يحتاج إلى دعم وعي مجتمعي يؤمن بالتعددية، ويرفض خطاب الكراهية، ويجعل من التعايش والسلم المجتمعي أساسًا لبناء دولة عادلة ومستقرة.
❖ كتابات في الميزان ❖
يناقش المقال تحوّل خطاب التكفير والتعصب الديني من فكرة متشددة إلى خطر يهدد الأمن والسلم المجتمعي، ولا سيما عندما يقترن بالتحريض والكراهية والعنف. ويؤكد أن حرية التعبير لا توفر غطاءً قانونيًّا للاعتداء على حقوق الآخرين، وأن المواجهة الفاعلة تتطلب تكامل التشريع مع دور المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية. فالقانون يعالج الأفعال والنتائج، بينما يسهم الوعي المعتدل في تجفيف منابع التطرف وحماية التعددية.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!