قيل مسبقاً إن الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع وقالوا أيضاً إنها الخلية الأساسية وعرفوها بأنها أصغر وحدة في المجتمع، تتكون من أب وأم في أقل التقادير، ثم تتوسع لتضم أولادا، وربما احتوت بعض الأسر على جد وجدة، يعيشون معاً في بيت واحد، يتقاسمون مر الحياة وحلوها.
ذات مرة، وبالتحديد في المدينة المنورة، عاشت أسرة نموذجية بلغت من الكمال درجة ان تسلط السورة الشريفة عليها الأضواء، معلنةً وجودها الأرضي وحضورها السماوي، وإرتباطها الروحي والعقائدي حين غاب خبرها عن مجتمع ذلك الحين، أسرة جسدت وسطرت أروع الدروس والمضامين التربوية والإنسانية لتكون مثالاً يحتذى عبر العصور.
مفاد القصة، إن الحسن والحسين "عليهما السلام" مرضا مرضاً شديداً، مرضاً خطيراً لا علاج له ذلك الحين ما دفع الإمام علي وفاطمة "عليها السلام" وخادمتهم فضة "رض" أن ينذروا صيام ثلاثة أيام، وفعلاً شفي الحسن والحسين "عليهما السلام" فكان الإتيان بالنذر، صاموا اليوم الأول وحين الإفطار جاءهم سائل عرف نفسه بالمسكين فما كان منهم إلا ان آثروه بطعامهم وأفطروا بالماء فقط، ثم صاموا اليوم الثاني وحين الإفطار طرق عليهم الباب سائلاً عرف نفسه باليتيم، وأيضاً آثروه واعطوه طعامهم واكتفوا بشرب الماء، واستمروا بصيام اليوم الثالث وعند الإفطار طرق الباب أسيراً فعلوا معه كما فعلوا بسابقيه واكفتوا بالإفطار على الماء، حتى تم نذرهم.
تتميز سورة الإنسان المباركة بإنها ذات منهج متكامل ويستنبط منها الكثير من الدروس والعبر التربوية الأصيلة والقيم الانسانية النبيلة لعل من أبرزها:
1- نعمة الوجود: وهي أكبر وأهم نعمة توجب الالتفات اليها والشكر عليها.
2- عجز الإنسان وضعفه: في عدة محاور منها:
أ/ محور الخلق: فهو ضعيف خلقياً حيث انه خلق من نطفة ثم استقر في رحم امه تسعة أشهر وبعدها يخرج الى الدنيا عاجزاً تمام العجز لا يمكنه الاستغناء عن والديه الا بعد مدة زمنية طويلة.
ب/ التدبير: لا يمكن للإنسان أن يدبر اموره الشخصية والعامة دون الحاجة الى التعلم من جهة والتوفيق الرباني من جهة أخرى.
ج/الضعف الجسدي: جسم الإنسان ضعيف مقارنة بإجساد الكائنات الأخرى كي يدبر معيشته ويشق طريقه في الحياة هو بحاجة الى الجانب الروحي، العقل والضمير والنفس كل ذاك يوصله الى القدير المقتدر فيمكّنه في الأرض.
خلاصة القول ما جاء عن الإمام علي "عليه السلام" قوله (مسكين إبن آدم تقتله الشرقة، وتؤلمه البقة، وتنته العرقة)
3- حرية الاختيار وتحمل المسؤولية: سورة الإنسان الشريفة بينت إن للإنسان بعد إكتمال خلقه وعقله له أن يختار بين طريقين (إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا (3) )، إن اختار الطريق الصحيح سوف ينال الجزاء الحسن، وأما إن اختار طريق الكفر والجحود فعليه أن يتحمل مسؤولية اختياره.
4- المنهج الاخلاقي: قدمت السورة الشريفة مادة خصبة غنية بالمعاني والخلق النبيل للقيم الإنسانية السامية والارتقاء بالبشرية وهي من صميم الرسالة المحمدية حيث ورد عنه (صلى الله عليه واله) انه قال ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) فأبرزت عدة مواضيع منها:
أ- الإيثار: برز بصورة واضحة وجلية حيث قدمت هذه الأسرة الطاهرة حاجة الغير على حاجتها.
ب- الثبات: ثبات هذه الأسرة على الطاعة والوفاء بالنذر في أحلك الظروف.
ج- الكرم: وهو من ابرز الصفات النبيلة حيث البذل، الجود، العطاء بطيب خاطر دون انتظار مقابل.
د- الرحمة: التضحية بالحاجات الشخصية ودفعها للأخرين رحمة ورأفة بحالهم.
ه- الصبر: تربية النفس على الصبر على الطاعات والبلاء وأعباء الحياة، والصبر جميل في الختام.
و- المروءة: ويعرف بأنه كمال الرجولة والانسانية، صفة تلزم الانسان بالتمسك بمحاسن الأخلاق وترك المعيب والمشين منها, ومن رقائقها بذل المعروف.
ز- الشجاعة: كل ما تقدم لا يمكن الإتيان به ما لم يمتلك الفرد الشجاعة.
5- البلاء: الدنيا دار بلاء لا دار بقاء، لابد وأن يتعرض فيها المؤمن الى مختلف أنواع البلاء حسب طاقته وقوة إيمانه.
6- اخلاص النية: على ان يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى، وعدم انتظار الجزاء والشكر والعرفان من الناس.
7- ترغيب في الثواب: بينت السورة الشريفة الجزاء والثواب بصورة مرغبة تدفع المؤمن بالجد والاجتهاد في العمل لنيل ذلك الجزاء الحسن.
8- الترهيب: خوّفت ورهبت السورة الشريفة الكافر والمعاند بما ينتظرهم من عقاب (إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا (4))
9- الجانب العرفاني والتعبدي: تضمنت السورة الشريفة عدة محاور عرفانية روحانية صرفة تمثل علاقة المؤمن بالله تعالى منها لا على سبيل الحصر:
أ- الانقطاع الى الله تعالى (إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا (9)
ب- الخوف من الله تعالى (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا (10)
ج- تسليط الأضواء على قيام الليل وأهميته العبادية والروحية وصفاء القلب وسلامة النية (وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا (26)
10-تهديد للكافرين (نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا (28)، القرآن الكريم أنذر وهدد بالتبديل في آيات عدة، تبديل القوم بقوم أخرين أكثر طاعة لله تعالى، وهذا قد يشمل المسلم المغرور بأمور دنيوية تخالف التربية الاسلامية.
11- التذكرة: لضرورتها تكررت في آيات قرآنية عدة (إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا (29)) وفي آية كريمة أخرى {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى }الأعلى9، {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ }الغاشية21.
12- المشيئة لله: (وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا (30)وهو في مشيئته عليم في خلقه، حكيم في تدبيره وصنعه.
فائدة:-
تبين من قصة السورة الشريفة إن العطش رافق الإمام الحسين "عليه السلام" منذ طفولته، صام مع أسرته ثلاثة ايام تحمل فيها الجوع والعطش، وكانت ختام حياته "عليه السلام" بالعطش ثلاثة ايام أيضاً.
❖ كتابات في الميزان ❖
يستخرج المقال من سورة الإنسان منظومة تربوية متكاملة، تتقدمها قصة إيثار أهل البيت (عليهم السلام) للمسكين واليتيم والأسير، لتصبح الأسرة نموذجًا عمليًّا في صناعة القيم. ويعرض مضامين السورة في حرية الاختيار وتحمل المسؤولية والإخلاص والصبر والرحمة والوفاء بالنذر، إلى جانب التذكير بضعف الإنسان وافتقاره إلى الله. وبذلك يربط النص بين التربية الأسرية والإيمان، ويجعل العمل الخالص أساسًا لبناء الإنسان والمجتمع.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!