كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مزارٌ خلف قضبان الدكاكين: مرقد السفير الرابع وأمانة الهوية المغدورة في بغداد

 ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ 

بين صخب الباعة في سوق الهرج، وضجيج التبضّع في قلب بغداد القديمة، تنزوي حجرة صغيرة يضيق الطريق المؤدي إليها، حتى يكاد الزائر يصل إليها بين البضائع وأبواب الدكاكين. ليست هذه الحجرة مخزنًا منسيًا، بل مرقد الشيخ أبي الحسن علي بن محمد السَّمَري، السفير الرابع للإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وخاتم سفرائه في الغيبة الصغرى.

هنا تبرز المظلومية بوضوح: كيف بقي مرقد رجل حمل أمانة السفارة، وخُتمت برحيله مرحلة تاريخية مهمة، في هذا الموضع الضيق المحاصر بالحركة التجارية، من غير أن ينال ما يليق بمكانته من عناية وإظهار؟ وكيف أصبح الوصول إلى المرقد مشقةً، في مكان كان الأجدر أن يكون شاهدًا ظاهرًا على صفحة من صفحات بغداد الدينية والتاريخية؟

لقد عرفت بغداد مراقد السفراء الآخرين؛ فمرقد السفير الأول عثمان بن سعيد العمري معروف، ومقام السفير الثاني محمد بن عثمان في جامع الخلّاني، ومرقد السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي حاضر في ذاكرة المدينة. أما السفير الرابع، فبقي مرقده أسير العزلة والضيق.

وكما يقول المثل البغدادي: «البيت إذا ما له صاحب، يضيع بين أهله». ولعل هذا المرقد اليوم بحاجة إلى من يتبنى قضيته، ويحفظ حرمته، ويعيد إليه حضوره الذي يستحقه.

إنصاف المرقد لا يعني الإضرار بأصحاب المحال، ولا مصادرة أرزاقهم، وإنما يتطلب معالجة قانونية وإنسانية تحفظ حقوقهم، وتعيد إلى المكان هيبته. وتبدأ هذه المعالجة بتثبيت حدوده القانونية، ودراسة واقع العقارات المحيطة به، ثم تأهيله وإظهاره بما ينسجم مع مكانته وبيئة بغداد التراثية.

إن السكوت عن بقاء هذا المرقد مخنوقًا بين الدكاكين ليس أمرًا عابرًا؛ إنه خسارة لجزء من ذاكرة بغداد. ومن حق الأجيال أن تجد هذا المكان واضح المعالم، محفوظ الحرمة، يروي سيرة صاحبه وموقعه في تاريخ الغيبة الصغرى.

**تبدّلتِ المعالمُ والمباني
وأصبحَ منهجُ الإنصافِ داني**

**فيا عقاراتِ الدنيا كُفّي
عن الأبرارِ والحُرُمِ الصِّيانِ**

❖ كتابات في الميزان ❖

ينبّه المقال إلى إهمال موقع ديني وتاريخي يرتبط بإحدى أهم مراحل القضية المهدوية، واضعًا المرقد ضمن مسؤولية حفظ هوية بغداد وذاكرتها. ويمتاز الطرح بأنه لا يدعو إلى الإضرار بأصحاب المحال، بل يقترح معالجة قانونية وإنسانية توازن بين حقوقهم وحرمة المكان. وهو نداء إلى المؤسسات الدينية والثقافية والرسمية لتوثيق المرقد وتأهيله وإبرازه حضاريًا.

السفير الرابع.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!