كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هيبةُ الدّولة بينَ كَونِية التّغيير وسِيادةِ القَانُون

يقول : الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}

تضعنا هذه الآية الشريفة أمام حقيقة كونية كبرى؛ وهي أن النهوض والتحول لا يأتيان من الخارج، بل ينبعان من إرادة الذات وتصحيح المسار الداخلي. واليوم، يمرّ وطنا العزيز العراق بـمرحلة مفصلية لا تقبل القسمة على اثنين، تضع الدولة بمؤسساتها وشعبها أمام خيار مصيري: إما الغرق في دوامة "العسكرة" والصراعات الإقليمية بالوكالة، أو العبور نحو ضفة السيادة الكاملة القائمة على التنمية والاقتصاد المستدام.

إن المتابع لواقعنا المحلي يدرك أن ما طرحته الأوساط التحليلية مؤخراً – ومنها ما تناولته الصحافة الدولية كصحيفة "بوليتيكو" – يلامس بدقة الجرح العراقي النازف. فالحديث عن إنهاء مهام التحالف الدولي ليس مجرد موعد زمني في الرزنامة السياسية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة بغداد على بسط هيبتها. وهنا نستحضر مقولة الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون حين قال: "السيادة الحقيقية لا تكمن في اتساع الرقعة أو كثرة العتاد، بل في قدرة الدولة على أن تكون هي المصدر الوحيد للقوة والقانون فوق أرضها". ومن هذا المنطلق، فإن "السيادة العراقية" لا يمكن أن تكتمل أو تؤتي ثمارها ما لم يُحسم الملف الأكثر تعقيداً: وهو حصر السلاح بيد الدولة، وإدماج كافة التشكيلات تحت مظلة القانون ليكون القرار الأمني والسياسي عراقياً خالصاً، ينبع من مصلحة شعبنا أولاً وأخيراً.

لقد عانى الإنسان العراقي لعقود من دفع ضريبة التوترات الجيوسياسية، وجاء الوقت لتغيير هذا الواقع. إن النتائج المرجوة من الحراك الدبلوماسي العراقي الأخير في نيويورك، واللقاءات التي ركزت على التحول من "الشراكة الأمنية" إلى "الشراكة الاقتصادية"، تمثل الرؤية الصحيحة لإنقاذ البلاد. فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من القواعد العسكرية أو الصواريخ، بل يحتاج إلى استثمارات كبرى، وإعادة رسم مسارات تصدير النفط، وتشغيل الأيادي العاملة في البصرة والموصل وبغداد، والوصول إلى الاكتفاء الذاتي في قطاع الطاقة.

إن الخطوة التاريخية التي شهدناها مؤخراً بتوحيد قوات البيشمركة، والمهل الزمنية المطروحة لتنظيم السلاح، يجب أن تكون حافزاً لجميع القوى السياسية للالتفاف حول مفهوم "الدولة الوطنية".

خلاصة القول؛ إن العبور بالعراق إلى بر الأمان يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار الداخلي والبدء بالتغيير الذي أمرنا به الباري عز وجل. فالاستقرار الأمني المستدام هو الجسر الوحيد الذي سيعبر فوقه المستثمرون، وهو الركيزة الأساسية لتحويل بلدنا من ساحة لتصفية الحسابات إلى واحة للتنمية والازدهار والسيادة المطلقة

العراق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!