كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الأبوذية في سوق الشيوخ .. محادثات من ذاكرة المدينة

منذ سنين طويلة، تميّزت محافظة ذي قار، ولا سيما قضاء سوق الشيوخ، برفدٍ أدبي وعلمي واكب تحولات الزمن، وأسهم في تشكيل ذاكرة المدينة وملامحها الثقافية. ولما تميّز به القضاء من موقع جغرافي جعله على تماس مع بيئات وثقافات متعددة، أُولع أبناؤه بالشعر، واتخذوا منه وسيلة للتعبير عن أفراحهم وأحزانهم، وعن تفاصيل حياتهم اليومية.

ومن بين الألوان الشعرية التي احتلت مساحة واسعة في حياة أبناء سوق الشيوخ، تأتي الأبوذية بوصفها أكثر من مجرد لون شعري؛ فقد كانت جزءًا من الحديث اليومي، وحاضرة في المقاهي والأزقة والدواوين والمجالس.

كان الصباح يبدأ أحيانًا بأبوذية تقوم مقام «صباح الخير»، وفي الليل تتحول الدواوين إلى أمسيات شعرية، تأخذ الأبوذية فيها حيّزًا كبيرًا، لما تمتلكه من قدرة على اختزال الفكرة والموقف والشعور في أربعة أشطر.

ولأن هذا اللون الشعري البسيط قادر على طرح فكرة، أو وصف حادثة، أو التعبير عن موقف إنساني، فقد أكثر أبناء سوق الشيوخ من تناقله ومحاورته. ولم تكن الأبوذية عندهم مجرد شعر يُقال للتسلية، بل كانت في بعض الأحيان وسيلة للتعزية، والشفاعة، والمواساة، وحل الخلافات، وقضاء الحوائج.

ومن هذه المحادثات الجميلة، كانت الأبوذية بمثابة «الواجب».

ففي يوم من الأيام، تُوفّي أخ الشيخ جميل الحيدر، رحمه الله. وكما هي العادات المعروفة في جنوب العراق، يقدّم الناس مبلغًا من المال داخل ظرف لمساعدة أصحاب العزاء. لكن أحد الشعراء لم يكن يملك من المال شيئًا، فكتب أبوذية ووضعها في الظرف وأرسلها، وكان يقول:

أقدِّملك شديد الأسف… واندام
على الراحل دليلي بالم… واندام
ياهو اللِّي بگى بالكون… واندام
كلُّ إحنا ضيوفٌ على الوطيَّة.

وعندما قرأ أصحاب العزاء هذه الأبوذية، قالوا إن هذه الكلمات كانت تفوق كل واجبٍ أتاهم؛ لأنها حملت من التعبير والمواساة ما قد لا يحمله المال، وأوصلت إليهم شعور صاحبها وصدقه.

وفي محادثة أخرى، كانت الأبوذية وسيلة لقضاء حاجة إنسان.

يُذكر أنه في يوم من الأيام سُجن أحد الأشخاص، فجاءت والدته إلى الشيخ هلال الحسن، رحمه الله، تشكو له حالها، فذهب الشيخ هلال إلى أحد المسؤولين محاولًا إخراجه. وهناك ألقى عليه أبوذية قال فيها:

العسل بالريج وكت الضيج… شراي
وأخافن يعم على المخلوق… شراي
إن جان إنت لماي الوجه… شراي
تره آني جبتلك ماي وجهي ببين إيديا.

وحين سمع المسؤول هذه الأبوذية، تحركت فيه النخوة، فبادر إلى المساعدة، وسهّل الإجراءات لإخراج السجين.

وهنا تبدو الأبوذية وقد تجاوزت حدود الشعر، لتصبح لغة اجتماعية قادرة على إيصال ما يعجز الكلام المباشر أحيانًا عن إيصاله. فهي لا تطلب الطلب صراحة، وإنما تضعه في قالب شعري يحفظ للطالب كرامته، وللمخاطَب مكانته.

ومن المحادثات الأخرى، يُذكر أن الشاعر حمدي الحمدي، رحمه الله، كان على فراش المرض في مستشفى الناصرية، فأطلق أبوذية يقول فيها:

صرت بس ملتهي بروحي… ودرها
تبو تترك منازلها… ودرها
أظن أيامها الدانت… ودرها
انتهى وگربت من حول المنية.

فلم يتركه الشعراء وحيدًا أمام المرض، بل حاوروه أثناء زيارتهم له بالأبوذية، آملين أن تتحسن حاله، ومن تلك الأبوذيات ما قاله الشاعر جبار الناشي:

شحط بدار من ترحل… من الدار
يبو حچي اليميزونه… من الدار
أكيف علتك ليه… من الدار
اتحملها ولا فرگاك إليَّه.

وهكذا كانت الأبوذية في سوق الشيوخ حوارًا مستمرًا بين الناس؛ تُقال في الفرح كما تُقال في الحزن، وترافق الإنسان في مرضه وفقده واحتياجه، وتمنحه وسيلة للتعبير عن مشاعره حين تضيق اللغة اليومية عن حملها.

ولعل الشجن كان أكثر ما حضر في هذا اللون من الشعر، ليس لأنه شعر الحزن فحسب، بل لأن الأبوذية استطاعت أن تمنح الحزن لغةً تحفظه في الذاكرة.

والكثير من الأبوذيات التي قيلت في سوق الشيوخ لم تكن قصائد مكتملة أو نصوصًا معدّة للنشر، بل كانت محادثات عابرة بين الناس؛ أبوذية تقابلها أبوذية، وبيت يستدعي بيتًا، وموقف يولّد موقفًا آخر. وبذلك أصبحت الأبوذية جزءًا من الذاكرة الشفوية للمدينة، تنتقل من جيل إلى جيل، ويحفظها الناس كما يحفظون حكايات آبائهم وأجدادهم.

وما زلنا إلى اليوم في سوق الشيوخ نستمع إلى الأبوذية ونتغنى بها؛ لأنها لم تكن يومًا مجرد لون شعري، وإنما مثّلت جزءًا من هوية المدينة وذاكرتها الشعبية. وما زال شبابها وشيبها يحافظون عليها، لتبقى حاضرة في المجالس والدواوين، شاهدة على زمنٍ كانت فيه الكلمة الشعرية تستطيع أن تؤدي وظيفة الحديث، وأن تحمل التعزية، وأن تطلب الشفاعة، وأن تواسي المريض، وأن تختصر حكاية كاملة في أربعة أشطر.

إن الأبوذية، في سوق الشيوخ، ليست مجرد شعر يُروى، بل ذاكرة تُسمع.

والرحمة والمغفرة لجميع شعراء هذا اللون، والتحية الطيبة إلى مدينة سوق الشيوخ، وإلى ذي قار، وإلى كل سَقْشَخِيٍّ عراقي حافظ على هذا اللون، وصان شيئًا من ذاكرة مدينته، وأبقى صوتها حاضرًا في زمن تتغير فيه الأشياء سريعًا.

ابو ذية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!