كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المقهى الثقافي حين يصبح مسرحًا

في العراق، حيث كان المقهى يومًا امتدادًا للصحيفة والكتاب والصالون الأدبي، نجد أنفسنا أمام ظاهرة تتجاوز الفلكلور: مقاهٍ تحمل اسم «ثقافية» كعلامة تجارية، لا كمرجع معرفي. لم يعد السؤال الحاكم في هذه التجمعات: ماذا قرأت أو كتبت؟ بل: أين صورتك؟ ومن حضر؟ وكم إعجابًا حصدت؟ لقد انتقلت الثقافة من سؤال المعنى (ماذا تقول؟) إلى استعراض الهيئة (كيف تبدو وأنت تقول؟).
ليست الأزمة في المقهى كفضاء، ولا في المنصات كأدوات؛ الأزمة في تحويل الفكر إلى «ديكور اجتماعي»، والكتابة إلى بطاقة تعريف. لقد تسربت ثقافة الاستعراض إلى المشهد الأدبي حتى صار التعامل مع الندوة كالسجادة الحمراء: حضور، التقاط صور، عبارات احتفالية، ثم انسحاب متبادل. أما النص، فيأتي هامشًا في نهاية القائمة.
كان المقهى التقليدي مساحةً لتهديم الغرور؛ يدخل الكاتب بنص يظنه عظيمًا، ليخرج بعد ساعة نقاش وقد أُعيدت صياغة وعيه عبر مواجهة نقادية حقيقية. كانت الخسارة هناك ربحًا تأسيسيًا. اليوم، حلت «الدوائر المغلقة» محل المواجهة: أصدقاء يصفقون، ومتابعون يمدحون، وشبكات مجاملة تتبادل الثناء. لكن المشهد ليس هو الثقافة؛ فقد يمتلئ المسرح بينما ينعدم العرض.
وهنا تنشأ المفارقة الكبرى: التضخم الاستعراضي الموازي لضمور المنتج المعرفي. فعاليات أكثر، وصور أكثر، وأسماء أسرع بروزًا؛ لكن في المقابل: قراءة أقل، نقد غائب، ونصوص استهلاكية صُممت لتعجب الخوارزمية لا لتعيش في الذاكرة.
لقد أفرز هذا الواقع آفتين قاتلتين:
1. تصفية النقد لصالح العلاقات: تحول المثقف إلى عضو في شبكة أمان اجتماعي؛ «أمدح نصك لتمدح نصي». اختفت جملة «أنت مخطئ» أو «هذا النص ضعيف» لأنها باتت تُكلف صاحبها قطيعة أو استبعادًا من الفعاليات القادمة.
2. سلطة الشهرة المبكرة: جعلت المنصات من «عدد المتابعين» معيارًا للوزن الأدبي. حين تسبق الشهرةُ المشروعَ المعرفي، يصبح الكاتب أسيرًا للجمهور؛ يكتب ما يجلب التفاعل السريع، ويختار العبارة القابلة للاقتباس بدل الفكرة القابلة للنقاش.
إن الجيل الجديد يمتلك فرصة تاريخية للتواصل المباشر دون وسائط، لكن هذه الفرصة تتحول إلى نقمة حين يُستبدل بناء الذات بالوصول السريع. المطلوب ليس إنكار التقنية ولا محاربة المقاهي الحديثة، بل امتلاك الجرأة لمواجهة هذا السؤال: هل نبني مشروعًا ثقافيًا، أم نسوق صورة شخصية داخل المشهد؟
كيف نستعيد المعنى؟
استعادة عافية المشهد لا تتم عبر الندب، بل عبر خطوات عملية:
1. فصل العلاقات عن المادة النقدية: إعطاء الأولوية لمراجعات الكتب الجادة والنقد القاسي البنّاء، وترسيخ ثقافة أن التفكيك النقدي للنص هو أعلى درجات الاحترام للكاتب.
2. تأسيس حلقات قراءة مغلقة (Off-grid): خلق جلسات نقاشية مصغرة تُحظر فيها الكاميرات والتغطيات المباشرة، ليكون التركيز حصريًا على تشريح النص والفكرة دون رغبة في الاستعراض.
3. ترشيد الاستهلاك الرقمي للكاتب: الانتقال من الإنتاج اليومي السريع الموجه للإعجابات، إلى المشاريع الطويلة التي تحتمل الشك والمراجعة والتعديل.
الثقافة ليست حفلة دائمة، ولا التقاط صور جماعية. الثقافة، في جوهرها، فعل مقاومة للسطحية. وحين تخاف البيئة الثقافية من التمييز بين الجيد والرديء، فإنها تتجه نحو مساواتهما؛ وعندما يصبح الجميع «مبدعين»، تفقد الكلمة معناها تمامًا. لقد آن الأوان لإعادة شيء من «القسوة الجميلة» للثقافة: أن نخرج من المقهى بأفكار جديدة تزعج الوعي وتطوره، لا بصور أنيقة على الشاشات

المقاهي.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!