كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

العراق بين عهدين مائة عامٍ على صدور الدستور العراقي -مقاربةٌ دستورية- الجزء الأول (١-٣)


               بغداد
٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٥
  بمناسبة مرور مائة عامٍ على صدور دستور العراق -القانون الأساسي- في سنة ١٩٢٥،وبالنظر للأهمية القصوى التي يحظى بها هذا الدستور بوصفه المؤسِّس للحياة الدستورية في العراق الحديث،وبالنظر لغياب المشهد الدستوري الديمقراطي عن العراق طيلة المدة الممتدة بين إسقاط هذا الدستور في سنة ١٩٥٨ولغاية صدور الدستور الأخير في سنة ٢٠٠٥ الذي أعاد الحياة الدستورية الديمقراطية للبلاد؛ فإنه يكون من المحبَّذ أن نسلط الضوء على هذين الدستورين الديمقراطيين بعد مرور قرنٍ من الزمان على بدء الحياة الدستورية في العراق الحديث.
  لقد مثَّل الدستور في العراق عبر مرحلتيه التأريخيتين الرئيستين الإطار القانوني والأساس لنظام الحكم وطبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن.فقد مثَّل القانون الأساسي العراقي لسنة ١٩٢٥ أول وثيقةٍ دستوريةٍ حديثة في الدولة العراقية، وقد وُضع في ظل ظروفٍ سياسيةٍ وتأريخيةٍ مغايرةٍ تمامًا لتلك التي أحاطت بدستور سنة ٢٠٠٥، الذي جاء بعد سقوط الدكتاتورية في ٢٠٠٣ . من هنا سنعمد إلى إجراء مقارنةٍ تحليليةٍ موجزةٍ بين الوثيقتين الدستوريتين من خلال التركيز على محاور خمسةٍ رئيسةٍ -في أجزاء ثلاثةٍ- هي: شكل الحكم وتوزيع الاختصاصات،إرساء دعائم الدولة،نظام الإدارة والفدرالية،استقلالية القضاء،الحقوق والحريات.ولعلَّ من المفيد أن نبدأ ببيان النقاط المشتركة بين الدستورين قبل الشروع في تلك المحاور.
النقاط المشتركة بين الدستورين :
1-كلاهما دستورٌ يرسِّخ الديمقراطية،وما عداهما من دساتير صدرت في المدة الممتدة بينهما من دساتير مؤقتةٍ كانت كلها ترسيخاً للدكتاتورية وحكم الفرد وهتكاً لحقوق المواطن وحرياته.
2-كلاهما صادران عن سلطةٍ شرعيةٍ،وما عداهما كانت صادرةً عن سلطات الانقلاب العسكرية.
3-كلاهما تمَّ التصويت عليهما من قبل مجلسٍ –جمعيةٍ- تأسيسيٍّ منتخب،وما عداهما أصدرها الحاكم العسكري ومجلسه الانقلابي ولم يُصِّوت عليها ممثلو الشعب.
4-كلاهما دستورٌ دائم ، وما عداهما دساتير مؤقتةٌ.
5-كلاهما أسَّس لعهدٍ ديمقراطيٍ جديد،فالدستور الأول –القانون الأساسي لسنة ١٩٢٥- أرسى دعائم العهد الملكي في بداية تأسيس الدولة الحديثة،والدستور الأخير لسنة ٢٠٠٥ أرسى دعائم العهد الديمقراطي التعددي في حقبة ما بعد سقوط الدكتاتورية ولاسترداد السيادة بعد الاحتلال.
المحور الأول: شكل الحكم وتوزيع الاختصاصات بين السلطات :
أولاً : القانون الأساسي لسنة ١٩٢٥:
    أ- شكل الحكم : 
نظامٌ ملكيٌّ دستوريٌّ وراثيٌّ. الملك هو رأس الدولة وهو "مصونٌ وغير مسؤول" (المادة 25). كان النظام برلمانيًا بصبغةٍ ملكيةٍ قويةٍ، إذ تمتعت السلطة التنفيذية –الملك- بصلاحياتٍ واسعةٍ.
    ب-  توزيع الاختصاصات :
      السلطة التنفيذية:
كانت تتركز في يد الملك،مع صلاحياتٍ يسيرةٍ للحكومة -مجلس الوزراء-.فللملك حق تعيين رئيس الوزراء والوزراء وإقالتهم، وإصدار القوانين والقانون بمرسوم،وحق النقض،وعقد المعاهدات، وإعلان الحرب والأحكام العرفية، وإصدار العفو الخاص،وحل البرلمان،وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة(المادة 26).
     السلطة التشريعية:
1-السلطة التشريعية منوطةٌ بمقتضى الدستور بالبرلمان مع الملك.والبرلمان-مجلس الأمة- ثنائيٌّ يتألف من مجلس النواب ومجلس الأعيان (المعيَّن).
 2-كانت صلاحيات البرلمان محدودةً أمام صلاحيات الملك الواسعة، فلقد كان يتمتع باختصاص التشريع والرقابة على أعمال الحكومة،كما أنَّ حلَّ البرلمان كان يُمثل أداةً فعالةً بيده. 
  السلطة القضائية: 
نصَّ الدستور على استقلال القضاء نظرياً، وعملياً ثمة هيمنةٌ من الملك، فهو الذي يُعيِّن القضاة ويعزلهم بناءً على اقتراح الوزير المسؤول. 
ثانياً : دستور سنة ٢٠٠٥:
 أ-شكل الحكم: 
"نظام الحكم جمهوريٌّ نيابيٌّ (برلمانيٌّ) ديمقراطيٌّ اتحاديٌّ" (المادة 1).
 ب-توزيع الاختصاصات:
  السلطة التنفيذية:
 تتكون من رئيس الجمهورية-صلاحياتٌ محدودة- ومجلس الوزراء بقيادة رئيس مجلس الوزراء الذي يترأس السلطة التنفيذية الفعلية.يتم انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب، وبعد انتخابه يُكلِّف مرشحَ الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتأليف الحكومة.
  السلطة التشريعية:
1-برلمانٌ ثنائيٌّ يتألف دستورياً من مجلس النواب ومجلس الاتحاد، وفعلياً من مجلس النواب فقط.
2-يمارس مجلس النواب اختصاصات تشريع القوانين والرقابة على أداء الحكومة والمصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
3-يتمتع المجلس باختصاصاتٍ تشريعيةٍ ورقابيةٍ قويةٍ، بما في ذلك سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء أو أيٍّ من الوزراء (المادة 61). 
  السلطة القضائية: 
1- السلطة القضائية مستقلةٌ تماماً،والقضاة مستقلون. 
2-يتمتع القضاء الدستوري-المحكمة الاتحادية العليا-بصلاحياتٍ واسعةٍ في الرقابة على دستورية القوانين وتفسير النصوص الدستورية.

التحليل المقارن بين الدستورين بشأن شكل الحكم وتوزيع الاختصاصات بين السلطات :
   1-التحوُّل الجذري : انتقل العراق من نظامٍ ملكيٍّ مركزيٍّ قويٍّ إلى نظامٍ جمهوريٍّ برلمانيٍّ اتحاديٍّ.وفي الوقت الذي كان الملك في دستور ١٩٢٥ يُمثِّل محور النظام السياسي، فقد أضحى البرلمان والحكومة في دستور ٢٠٠٥ هما مركز الثقل.
  2-توازن السلطات: في دستور ١٩٢٥ كانت الكفة مائلةً لصالح السلطة التنفيذية -الملك-. في حين غدا في دستور ٢٠٠٥ ثمة فصلٌ أكثر وضوحًا للسلطات مع توازنها ووجود آلياتٍ للرقابة المتبادلة (مثل سحب الثقة وحل البرلمان بشروطٍ صعبة).

وللحديث تتمَّة في الجزء الثاني إن شاء الله للبحث في إرساء دعائم الدولة والإدارة والفدرالية واستقلالية القضاء في هذين الدستورين.

733eed2-780x470.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!