تحظى المُدن المُقدّسة في الأعمال الأدبيّة بأهمّية كبيرة، ولاسيّما مدينة كربلاء المُقدّسة؛ لمكانتها السّامية؛ ولما تزخر به من موروث ديني وحضاري ثرّ، زادته حضرة سيد الشّهداء الإمام الحسين(عليه السّلام) سحراً وعمقاً وسكينة، إذ اقترنت أهمّية هذه المدينة وشهرتها بحادثة استشهاد الإمام الحسين(عليه السّلام) التي غيّرت مجرى التّاريخ فأوقدت شرارتها وجداً ونضالاً مستمراً، وكوّنت مشاعراً ثوريّة لا تخمد أبداً، إذ إنّ توظيفها يعمد إلى شد المُتلقّي نحو عوالم عميقة خَفيّة تخرجه من نمط الحياة الماديّة الكدرة إلى عوالم روحانيّة صافية، فالمكان بقدر المكين، و كما يرى الدّكتور الشّيخ (أحمد الوائلي) في قوله:
"فسما زمان أنت في أبعاده وعلا مكان أنت فيه مكين" (ديوان الشيخ أحمد الوائلي،2011، 83).
ومن أهم النّصوص التي تمثّلت فيها مدينة كربلاء المقدّسة برمزيّة واضحة ما ورد في رواية (حبّة بغداد): "بعد إنْ غادر الرّجل في مُهمّة تأسيس الكُليّات والبحث عن المخطوطات والكتب في سراديب النّجف والكوفة وكربلاء... دهمته العاصفة تلو الأخرى وهو يخوض في بحر النّجف، فتراءى له كيوبيد يسأل بيسيشيه: أهكذا يذبل شبابك ويذوي ريعانك وتتقفر شطآنك، فلا ترف فوقك إلا هامة ولا يهتف فيك إلا صدى ولا تهب ريحك إلا كأنفاس الجحيم؟" (حبة بغداد، جمال حسين علي، 2021، ط1: 393).
يواصل الرّوائي (جمال حسين علي) في رواية (حبّة بغداد) سرد فصول المَلحَمة العِراقيّة التي بدأها في كلّ من رواية (أموات بغداد) و (رسائل أمارجي)، بعد إن شكّل الكائن العِراقي الجديد من بقايا جثث أموات العِراق ومن مختلف المحافظات العِراقيّة، وفي هذه الرّواية يسعى الأبطال نحو مشروع إعادة إحياء الذّاكرة العراقيّة المفقودة واستعادة القطع الأثريّة المنهوبة، وجمع المخطوطات وإعادة بناء المكتبة الوطنيّة، لاسيّما في (النّجف وكربلاء والكوفة) إذ تعدّ هذه المُدن رمز الثّقافة العراقيّة بدافع وجود القوى الدّينية المُقدّسة المُتمثّلة بمرقد الأئمة الكرام (عليهم السّلام)، فضلاً عن كونها مقرّ المرجعيّة الدّينة والحوزات التي تعدّ منبع الفكر وأصله منذ أمدّ العصور، ويظهر في هذا النّص التّرابط الثّقافي والدّيني والحضاري بين كلّ من مدينة كربلاء المُقدّسة والنّجف الأشرف، إذ تُعد هذه المُدن رمز الثوّرات الصّامد المُنبعثة من نفوس ثائرة على كلّ باطل، وفي هذا النّوع من السّياق المُرتبط بالثقافة تتحوّل الأصوات في النّص إلى مُناداة المُتلقّي وتحفّزه لمقاربة النّص والتّفاعل معه نفسيّاً وجماليّاً.
ولم يكتف الأدباء بتوظيف مدينة كربلاء كرمز للثورات، بل جعلوا منها محطّا لنيل الأمنيات وجلاء الهموم، وهذا ما يوظّفه الرّوائي (رامي هراطة) في نصّه: "أرجو الاهتمام بقضيّة السّيد علي أكبر ابنه موقوف بتهمة اجتياز الحدود وهي قضيّة سهلة، والأهم من ذلك رسالتي إلى سيدي ومولاي الحسين(عليه السّلام) والتي يتوجّب عليك وضعها في شباك قبره الشّريف، لكن عليك أنْ تضعها في يوم زيارة الأربعين وأن تصل إلى كربلاء مشياً على الأقدام، أعرف أنّ ذلك مجهد وربّما تكون قدراتك قد ضعفت، أنت الآخر لم تعد شاباً لقد ناشتك مقدرات الدّهر، لكن يجب أنْ تصل حاملاً رسالتي إلى سيدي الحسين بن علي ماشياً أسوة بالآخرين ومن مسافة مناسبة تستحق فيها الأجر والثّواب، فإن خذلتك قدراتك وصعب الأمر عليك أعد الرّسالة للسيد علي أكبر، وإنْ احترمت رغبتي ورجائي وقبلت تكليفي فلا تقرأ الرّسالة ولا تفتحها، ضعها هناك عند رأسه الشّريف، ليطلع على مظلوميتي، مظلوميتنا وشقائنا المُر" (صهر البابا، رامي هراطة، 33).
في رواية (صهر البابا) يعمد الرّوائي على إظهار أهمّية مدينة كربلاء في استقرار نفسيّة الأبطال، ويظهر ذلك عن طريق شخصيّة الدّكتور (حسين منتظري) أستاذ الحقوق وهو حاصل على شهادة الدّكتوراه من جامعة السّوربون ورسالته إلى مهدي المحامي، إذ يعرض هذا الرّجل مظلوميّته لسيد الشّهداء (عليه السّلام) ويظهر التّعلّق الشّديد بمدينة كربلاء المُقدّسة في تفريج الكربات، وعدّها الملاذ وموطن تحقيق الأحلام ونيل الغايات، إذ تشكّل المدينة ملجأ للفرار والخلاص من الاغتراب والبؤس، فالإمام الحسين(عليه السّلام) رمز الطّهارة والصّفاء وفي قبره الشّريف خلاصاً للهموم، وقد أتى به الرّوائي ليكون مقابلاً لسلبيات الحياة وضيقها، فالمكان هنا حضر لمُهمّة وظيفيّة وهي إظهار سلبيات الحياة فالضد لا يظهره إلا الضّد، وهنا يتبدّى النّسق الثّقافي الدّيني في العقليّة الرّوائية حيث تقديس مدينة كربلاء فهي تمثّل عند الرّوائي ملجأ ومهرباً من الهموم، بمناسباتها وطقوسها، وهذا ما يجسّده في وصفه لمدينة كربلاء في شهري محرم وصفر "انقضت منذ زمن العشرة الأولى من أيام شهر محرم لكن المدينة لم تتخط بعد فاجعة استشهاد الإمام الحسين بقيت الرايات تخفق في مواضعها وسواد الأقمشة الداكن يلف الأعمدة والجدران، تراجعت إلى حد ما موائد تقديم الطعام الفاخر والشاي والعصائر" (صهر البابا، رامي هراطة، 81).
في هذا النّص من الرواية وفي فصل (النّوايا الحسنة) يستذكر الرّوائي الماضي القريب من الحال طبيعة مدينة كربلاء المُقدّسة بعد انتهاء الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، في زمن قريب من زمن السّرد، إذ إنّ المدينة لا تكتفي بهذه الأيام فقط في إظهار ملامح العزاء لذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السّلام) بل تستمر رايات الأحزان والتّعزية المُستمرة حتّى الأربعين وإن كانت بعد العشرة الأولى تتراجع قليلاً موائد الطّعام، ثمّ تستعيد طاقتها قبل الزّيارة الأربعينية تهيئة لخدمة زوار أبي عبد الله الحسين(عليه السّلام)، وفي هذا النّص يظهر الالتزام في أداء الشّعائر الدّينية، فضلاً عن الكرم والضّيافة والألفة المقترنة بسيد الشّهداء (عليه السّلام). ويظهر احتواء كربلاء للقيم الأخلاقيّة الحقيقيّة، فالروائي وكما يبدو أنّه لا يريد جعل مدينة كربلاء مدينة متميزة في نظر القارئ كونها لا تزال تتمتع بروح تقليدية وبصمات طبوغرافية عتيقة، بل لأنّها مدينة جعلت من ماضيها أساساً و قواماً لحاضرها وباعثاً لمستقبلها.
ومما تقدّم نلحظ أنّ انتشار فكرة حضور المدينة المتمثّلة بـ(كربلاء المُقدّسة) في النّص الرّوائي العَربي المُعَاصِر ظاهرة مَعنويّة مقصودة، وليست محض صدفة، بل إنّها نتيجة حتميّة لما تمثّله من أهمّية في الحفاظ على الهَويّة الدّينية والثّقافية والتّاريخيّة والاجتماعيّة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!