يُعَدُّ أبو الفضلِ العباسُ (عليهِ السَّلامُ) من الشخصياتِ التي تركتْ بصماتٍ واضحةَ المعالِمِ على مسيرةِ الإسلامِ، والذي انمازَ بقداستِهِ الخاصَّةِ، ومثاليَّتِهِ القُصوى، وسِمتِهِ الخُلُقيَّةِ العُليا، عبرَ سِعةِ حضورِهِ في الوعيِ المُتعلِّقِ بالبطولةِ، والوفاءِ، والإخلاصِ، والنصيحةِ، والثباتِ على المبدأِ، والتضحيةِ، التي صدرتْ عنهُ، وبكلِّ الأُطرِ التي تبنَّاها في عُمرِهِ الشريفِ.
وعلى الرغمِ من شهادتِهِ في شبابِهِ، إلَّا أنَّهُ استطاعَ أن يكونَ شاخصًا ومُميَّزًا، وقامةً عاليةً ينحني لها التاريخُ إجلالًا.
وإنَّ المُنْعِمَ النظرَ في هذهِ الزيارةِ العظيمةِ بحقٍّ، يُبصِرُها لوحةً إلهيَّةً رائعةً من الفضائلِ، وسُموِّ الخُلُقِ المحمَّديِّ، وعلوِّ الرُّتبِ، صاغَها بيانٌ وقُوَّةُ منطقٍ، وعذوبةُ كلامٍ صادقِ العترةِ الطاهرةِ (عليهمُ السَّلامُ)، وهي إحدى زياراتِهِ التي زارَ بها عمَّهُ العباسَ (عليهِ السَّلامُ)، والتي تضمُّ في جوانِحِها المضامينَ العاليةَ، والدلالاتِ العميقةَ، والنظرةَ الدقيقةَ في بيانِ السِّماتِ الخُلُقيَّةِ، والخِصالِ النبويَّةِ التي تميَّزَ بها الإمامُ العباسُ (عليهِ السَّلامُ)، من وجهةِ نظرِ الإمامِ المعصومِ (عليهِ السَّلامُ)، بل من وجهةِ نظرِ الإمامةِ الكُبرى، بنسيجٍ من المُفرداتِ التي اختارَها بعنايةٍ؛ لكي يُعطيَ فيها عمَّهُ العباسَ (عليهِ السَّلامُ) حقَّهُ، في ضوءِ التَّعريفِ بمنزلتِهِ الرفيعةِ التي نالَها جزاءً لما بذَلَهُ في سبيلِ دينِ اللهِ، والدِّفاعِ عن امتدادِ الخطِّ المحمَّديِّ الأصيلِ، المُتمثِّلِ بالإمامِ الحسينِ (عليهِ السَّلامُ).
لذلكَ انتقَى لها سهولةَ المُفردةِ في العبارةِ وبساطتَها؛ لإفهامِ الناسِ منزلتَهُ الرفيعةَ التي تقتربُ من حدِّ العصمةِ، كي يدورَ الزائرُ في رحابِ شخصِهِ، ويَسبرَ الغورَ في زيارتِهِ الشريفةِ، ويتدبَّرَ معانيها؛ ليكونَ أقربَ إليهِ(1).
وقد ذكرتْ هذهِ الزيارةُ الكثيرَ من المصادرِ بالإسنادِ الموثوقِ عن جعفرَ بنِ محمدٍ بنِ قولويه، عن أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ الحسينِ العسكريِّ، عن الحسنِ بنِ عليٍّ بنِ مهزيار، عن أبيهِ، عن محمدِ بنِ أبي عمير، عن محمدِ بنِ مروان، عن أبي حمزةَ الثماليِّ(2)، والتي يبتدئُ بالسلامِ عليهِ، وينتهي بوداعِهِ:
((سَلامُ اللهِ، وَسَلامُ مَلائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيائِهِ الْمُرْسَلِينَ… أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ، وَأَسْتَرْعِيكَ، وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، آمَنَّا بِاللهِ، وَبِرَسُولِهِ، وَبِكِتابِهِ)).
ومن السِّماتِ الخُلُقيَّةِ التي اتَّسَمَ بها أبو الفضلِ العباسُ (عليهِ السَّلامُ): النصيحةُ.
إذ تُعَدُّ النصيحةُ إحدى مناهجِ الإسلامِ الحنيفِ، وسِماتِهِ الجليلةِ، وقد سمَّى النبيُّ محمدٌ (صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ) النصيحةَ دينًا؛ لكونِها من أعظمِ مقوِّماتِ المحبَّةِ والأُلفةِ بين الناسِ، والتي يُرادُ بها إرشادُ المؤمنِ إلى مصالحِهِ، وتنبيهُهُ إذا كانَ غافلًا عنها.
وكثيرًا ما تحدَّثَ علماءُ اللُّغةِ عن النصيحةِ في مُدوَّناتِهِم اللُّغويَّةِ، فلهذهِ المُفردةِ موقعُها، وأثرُها الواضحُ في فكرِهم وثقافتِهم.
قال الجوهريُّ (ت: 393هـ):((نصحَ، نصحتُكَ نصحًا ونصاحةً، والاسمُ النصيحةُ)) (3).
ولم يبتعدْ ابنُ منظورٍ عن هذا المعنى، إذ قال:((النُّصحُ: نقيضُ الغِشِّ، مشتقٌّ منهُ: نصحَهُ له نصحًا ونصيحةً ونصاحةً ونُصاحًا، وهو باللامِ أفصحُ؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وأَنْصَحُ لَكُمْ﴾، ويُقالُ: نصحتُ له نصيحتي نُصوحًا، أي أخلصتُ وصدقتُ، والاسمُ: النصيحةُ، والنصيحُ: الناصحُ، وقومٌ ناصحٌ)) (4).
أمّا في الاصطلاحِ، فهي:((الدُّعاءُ إلى ما فيهِ الصلاحُ، والنهيُ عمّا فيهِ الفسادُ)) (5).
وقيلَ أيضًا:((الإرشادُ إلى ما فيهِ صلاحُ المنصوحِ له، ولا يكونُ إلّا قولًا)) (6).
ونلتمسُ هذا المعنى في كلامِ الإمامِ الصادقِ (عليهِ السَّلامُ) بدلالةِ قولِهِ: ((…وَالنَّصِيحَةِ لِخَلَفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ…)) (7).
يتبيَّنُ من كلامِ أبي عبدِ اللهِ (عليهِ السَّلامُ) أنَّ كلَّ ما صدرَ من أبي الفضلِ (عليهِ السَّلامُ) من تصديقٍ ووفاءٍ ومناصحةٍ، كان منتظمًا على نوعين:
أ- القوليَّة:
وهو ما أثبتَتْهُ أراجيزُهُ وأقوالُهُ، ومنها قولُهُ (عليهِ السَّلامُ) لإخوتهِ (عليهمُ السَّلامُ):((تقدَّموا، بنفسي أنتم! فَحامُوا عن سيِّدِكم حتى تموتوا دونَهُ)) (8).
ومنها أيضًا قولُهُ لأشقَّائِهِ:((تقدَّموا يا بني أُمِّي، حتى أراكم نصحتم للهِ ولرسولِهِ)) (9).
ب- العمليَّة:
وقد كان أثرُها ظاهرًا، إذ:((قُطِعتْ يمينُهُ وشِمالُهُ، وهو واقفٌ في خُطَّةِ الحربِ، ثابتٌ في ساحةِ القتالِ، لم يطلبْ لنفسِهِ ملجأً ولا مأمَنًا، وقفَ من غيرِ يدَينِ، يذبُّ عن أخيهِ، كأنَّهُ قطعةُ جبلٍ صلدٍ لا يتزعزعُ، حتى اغتالَهُ بعضُهم مُستترًا من وراءِ نخلةٍ، ففضخَ هامَتَهُ بعمودٍ من حديدٍ، فخرَّ صريعًا على وجهِ الثرى. فهذهِ من أعظمِ المناصحةِ وأجلِّها)) (10).
وكانَ هذا منبعثًا من اليقينِ التامِّ بذلكَ الأمرِ الواجبِ، لا لأجلِ أنَّ الإمامَ الحسينَ (عليهِ السَّلامُ) ذو قَرابةٍ بِهِ؛ بلْ لكونِ الإمامِ الحسينِ (عليهِ السَّلامُ) خَلَفَ النبيِّ المُرْسَلِ، الذي وصلتْ إليهِ مقاماتُ الخلافةِ الإلهيَّةِ، وهذا ما تُؤكِّدُهُ دلالةُ قولِهِ (عليهِ السَّلامُ):
((… لِخَلَفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، الْمُرْسَلِ، وَالسِّبْطِ الْمُنْتَجَبِ، وَالدَّلِيلِ الْعالِمِ، وَالْوَصِيِّ الْمُبَلِّغِ، وَالْمَظْلُومِ الْمُهْتَضَمِ…)) (11)، وعلى أنَّ ثورةَ الإمامِ الحسينِ (عليهِ السَّلامُ) ثورةٌ امتداديَّةٌ لرسالةِ الإسلامِ، ومناهجِ نُبُوَّةِ جدِّهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ).
كما نلحظُ أنَّ الإمامَ الصادقَ (عليهِ السَّلامُ) قد أَلحَّ في تثبيتِ وتكرارِ الشهادةِ لأبي الفضلِ (عليهِ السَّلامُ)، بأنَّهُ كانَ في غايةِ المناصحةِ والإيمانِ، والإخلاصِ لقضيَّتِهِ ومبدئِهِ وطاعتِهِ، بدلالةِ قولِهِ (عليهِ السَّلامُ):((أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بالَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَعْطَيْتَ غايَةَ الْمَجْهُودِ…)) (12)،
وكذلكَ دلالةُ قولِهِ:((أَشْهَدُ لَقَدْ نَصَحْتَ لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَخِيكَ)) (13).
ويُرَجَّحُ أنَّ هذا التكرارَ في بيانِ المضامينِ الإيثاريَّةِ والإيمانيَّةِ التي مثَّلها أبو الفضلِ العباسُ (عليهِ السَّلامُ)، يُرادُ منهُ تقديمُ رؤيةٍ اعتقاديَّةٍ وفكريَّةٍ عميقةِ المحتوى، عمَّا جرى في كربلاءَ من تصارُعٍ بينَ الحقِّ والباطلِ، والإيمانِ والكفرِ، لاسيّما وأنَّ الإمامَ (عليهِ السَّلامُ) قد وجدَ الفرصةَ المناسبةَ لمعالجةِ الرؤى المُضلِّلةِ في الوعيِ عن قضيَّةِ عاشوراء، وعن حكمِ بني أُميَّةَ الذي لم يَدَعْ حُرمةً من محارمِ الإسلامِ إلّا استحلَّها وانتهكَها تحتَ رداءِ دعواهُ المُزيَّفةِ.
فنستشفُّ من كلامِ المعصومِ (عليهِ السَّلامُ)، أنَّ الدافعَ الأساسَ للعبّاسِ (عليهِ السَّلامُ) على التسليمِ، والتصديقِ، والوفاءِ، والنصيحةِ؛ لكونِ الإمامِ الحسينِ (عليهِ السَّلامُ) إمامًا مفترضَ الطاعةِ، وهو الامتدادُ الرِّساليُّ لرسالةِ جدِّهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ)، وهذا يَنُمُّ عن بصيرتِهِ المتوقِّدةِ لشرفِ الغايةِ، والمُتَحرِّيَةِ عن الكرامةِ في زمنٍ فَنِيَ فيهِ كلُّ شيءٍ.
المصادر
1- ينظر: وهج النبراس في شرح زيارة العباس (عليه السلام)، حيدر الجد، الناشر: قسم الشؤون الفكرية والثقافية، د.ط، د.ت، 6.
2- كامل الزيارات، تحقيق : جواد القيومي، ط1، قم، 1417ه، 444.
3- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، دار صادر، ط3، بيروت ،2004م، مادة (نصح)، 1/410.
4- لسان العرب، دار صادر، بيروت ،2004م، مادة (نصح)، 2/615.
5- التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني، 1/241.
6- الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء الحنفي، تحقيق: عدنان درويش - محمد المصري، الناشر: مؤسسة الرسالة ،بيروت، د.ت، 1/908.
7- مفاتيح الجنان، عباس القمي، 451.
8- الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري، تحقيق: عبد المنعم عامر، الناشر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي ،ط1، مصر، ١٩٦٠م، 57.
9- شهداء أهل البيّت (عليهم السلام) قمر بني هاشم، حسين الشّاكري، الناشر: مكتبة النّجف الأشرف، ط1، 1430هـ،91.
10- موسوعة بطل العلقمي، عبد الواحد مظفر، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، بيروت- لبنان، 2/263.
11- مفاتيح الجنان، عباس القمي، 452.
12- المصدر نفسه، 452.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!