كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الرُّعَاع تَصنَع الأصْنام لِتعبُّد

 

    قالَ اللهُ تعالى في محكما تنزيله: (لقدْ خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ) ، (سورةُ التين: 4) منْ هذهِ الآيةِ الكريمة، ننطلقُ ، لنتأملْ قيمةَ الإنسانِ التي منحها اللهُ لهُ ابتداء، وكيفَ يفترضُ أنْ تصانَ بالعلمِ والخلقِ والعمل، لا بالادعاءِ الأجوفِ ولا بالتبعيةِ العمياء.

       يطلق لفظُ الرعاعِ في اللغة، على السفلةُ منْ الناس، أوْ الذينَ يتبعونَ كلٌ ناعق، لا يميزونَ حقا منْ باطل، ولا يعرفونَ قيمةُ العلمِ ولا الحكمة، فيساقونَ بعواطفهمْ لا بعقولهم، فالرعاعُ همْ الذينَ يرفعونَ منْ لا يستحق، ويصفقونَ لمنْ لا يملكُ علما ولا خلقا، بلْ لمجرد مائدةٍ أوْ مجلسِ أوْ حفنةِ مالٍ تنثرُ عليهم.

     لقدْ ابتليتْ المجتمعاتُ والشعوبُ عبرَ التاريخ، بأقوامٍ يعظمونَ أشخاصا، لا فضلَ لهمْ ولا وزن، سوى ما يحملونهُ منْ جهلِ، أوْ ما يشيعونهُ منْ تخلف، فيرفعونَ فوقَ منازلهم- بغيرِ حق. قالَ سبحانهُ وتعالى: ( أفمنْ يهدي إلى الحقِ ، أحقُ أنْ يتبعَ أمنٌ لا يهدي إلا أنْ يهديَ) . (يونس: 35).

    إن البعضَ من الناسِ، يعبدونَ الوجاهةُ أوْ المالِ أوْ بسببِ الخوفِ أوْ الطمع، فيتخذونَ بعضَ البشرِ أربابا في هيئاتهمْ أوْ في جاههم، متناسينَ أنَ العظمةَ للهِ وحده، وأنَ الكرامةَ الحقيقيةَ منحةً إلهيةً تصانُ بالعملِ الصالحِ والخلقِ الرفيع.  وما دامتْ النفوسُ، تذلُ لغيرِ خالقها، فلنْ تتقدمَ الإنسانية؛ إذْ كيفَ تنهضُ أمةَ والعبيدُ " يركضونَ خلفُ " رجلٍ يدعي التدينُ " طلبا لنظرةٍ أوْ مسحةٍ زائفةٍ أوْ كلمةٍ يستجدونَ بها البركة!

     قالَ الإمامْ علي بنْ أبي طالبْ (ع ): " لا تكونُ عبدا غيركَ وقدْ جعلكَ اللهُ حرا " . إنَ الاحترامَ والتقدير؛ لا يمنحان، إلا لمنْ قدمَ للإنسانيةِ نفع: في علمٍ أوْ فقهٍ أوْ أدبٍ أوْ فلسفةٍ أوْ اكتشافٍ ينهضُ بالبشر، ويعلي منْ شأنهم، فهؤلاءِ همْ الوجوهُ الحقيقيةُ التي يحسنُ أنْ تكرم. أما الذينَ لا يعرفون، إلا بمجالس الأكلِ أوْ مظاهرِ النفوذ، وتلتفَ حولهمْ مجموعاتٍ منْ الرعاعِ في نهايةِ المأدبة، يهتفونَ طمعا في ورقةٍ نقديةٍ حمراءَ يرميها اليهم " صاحبُ الجلالةِ إليهم؛ فهؤلاءِ لا يزيدونَ الأممُ إلا تأخرا، ولا يورثونَ الأجيالُ إلا صورةً مزيفةً للعظمة.

       تعد العظمةَ للهِ وحده، وما سواهُ تكريمٌ يليقُ بأهلِ العلمِ والعمل، لا تقديس يرفعُ بهِ منْ لا يستحق. قالَ سبحانهُ وتعالى: ( فلا تزكونَ أنفسكم، هوَ أعلم بمنْ اتقى ) . (النجم: 32) . فالذينَ يرفعونَ التافهُ إلى مقامِ العظمة، ويمنحونَ الجاهلَ منزلةَ الحكيم، ويصنعونَ منْ البشر، آلهةٌ صغيرةٌ ، يطافُ حولها بالهتافِ والتصفيقِ والولاءِ الأعمى، سبباً في تأخرِ الشعوبِ في رقيها وتقدمها، ولوْ لمْ تجدْ هذهِ الأصنامِ منْ يلمعها ويصفقُ لها ويبررُ عيوبها، لما قامتْ لها قائمة، وانطفأتْ قبلَ أنْ تشتعل.

   إنّ الأمم لا تتخلّف بسبب وجود الطغاة وحدهم، بل بسبب أولئك الذين يقدّسون هؤلاء الطغاة، ويمنحونهم الولاء الأعمى. وقد تغيّرت مظاهر الطغيان في عصرنا، لكنها لا تزال تحمل الجوهر نفسه؛ فبعضهم يتخفّى تحت عمامة الدين المُسيَّس، وآخرون يختبئون خلف عباءة العشيرة، وآخرون يتباهون بما جمعوه من أموالٍ محرّمة عبر الفساد والرشوة والابتزاز وشراء الذمم، وهو ما يعرفه الجميع.  فإنّ الرعاع هم من يصنعون الأصنام من البشر ليعبدوهم، ويمنحونهم ولاءً مطلقًا، فيتّخذون من دون الله آلهةً يطيعونهم بلا تفكير.     

قالَ الحكماء: " لوْ لمْ يرفعْ الطالحُ ما ساد، ولوْ لمْ يتبعْ الجاهلُ ما طغى ". . .!

   وفي هذا الشأن، فقدْ قالَ الأديبُ الروسي؛ (مكسيمْ غوركي): يجبَ أنْ نسلحَ الرأسُ أولاً قبلَ أنْ نسلحَ الأيدي. أما الفيلسوفُ البريطاني؛ ( برُ تراندا راسل)، فقال: قدْ تقضي عمرك، وأنتَ تعتقدُ بأنكَ تدافعُ عنْ أفكارك، ثمَ تكتشفُ أنكَ في الحقيقةِ تدافعُ عنْ أفكارهمْ التي زرعوها في عقلك! !

     في حين، قال الفيلسوف الأمريكي، ( نعومْ تشومسكي) : المنافقونَ همْ أولئكَ الذينَ يطلقونَ على الآخرينَ المعاييرَ التي يرفضونَ قبولها لأنفسهم.

         في كلِ ما ورد،َ فنرى، الرعاعُ همْ الوقودُ الذي يحركُ الزيف، وهمْ اليدُ الخفيةُ التي ترفعُ الأصنام؛ لأنهمْ يبحثونَ عمنْ يملأُ فراغَ الداخل، أوْ يطعمهم، أوْ يشتري صمتهم، أوْ يخدعهمْ ببريقٍ لحظيٍ سرعانَ ما ينطفئ. وقد وصلت الرسالةُ إلى من يقرؤها…!

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!