
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى "فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" ﴿يوسف 15﴾ وفي كتاب النبوة عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن عمارة عن مسمع أبي سيار عن الصادق عليه السلام ) قال لما ألقى إخوة يوسف يوسف في الجب نزل عليه جبرائيل فقال: له يا غلام من طرحك هنا؟ فقال: إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني ولذلك في الجب طرحوني فقال: أ تحب أن تخرج من هذا الجب قال: ذلك إلى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: له جبرائيل فإن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك قل (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعل لي في أمري فرجا ومخرجا وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب) فجعل الله له من الجب يومئذ فرجا ومخرجا ومن كيد المرأة مخرجا وآتاه ملك مصر من حيث لم يحتسب. وروي علي بن إبراهيم: أن يوسف عليه السلام قال في الجب يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغري وقوله "وأوحينا إليه "يعني إلى يوسف عليه السلام قال الحسن: أعطاه الله النبوة وهوفي الجب والبشارة بالنجاة والملك " لتنبئنهم بأمرهم هذا" أي: لتخبرنهم بقبيح فعلهم بعد هذا الوقت يريد ما ذكره سبحانه في آخر السورة من قوله: "هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه" "وهم لا يشعرون" أنك يوسف وكان الوحي إليه كالوحي إلى سائر الأنبياء وقال مجاهد وقتادة: أوحى الله إليه ونبأه وهو في الجب وكان فيما أوحي إليه:أن اكتم حالك واصبر على ما أصابك فإنك ستخبر إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك وقيل: يريد: وهم لا يشعرون بأنه أوحي إليه وقيل: إن معنى قوله " لتنبئنهم " لتجازينهم على فعلهم تقول العرب للرجل يتوعده بمجازاة سوء فعله لأنبئنك ولأعرفنك أي: لأجازينك وقيل أراد بذلك أنهم لما دخلوا مصر عرفهم يوسف وهم له منكرون فأخذ الصاع ونقرة فطن (الصاع:المكيال. ونقره: ضربه ليصوت. وطن:أي صوت) فقال: إن هذا الجام ليخبرني أنه كان لكم أخ من أبيكم ألقيتموه في الجب وبعتموه بثمن بخس فهذا معنى قوله "لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ " هذا عن ابن عباس.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى "فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" ﴿يوسف 15﴾ قوله تعالى: "ولما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب" قال الراغب: أجمعت على كذا أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكرة نحو فأجمعوا أمركم وشركاءكم. قال: ويقال أجمع المسلمون على كذا اتفقت آراؤهم عليه. انتهى. وفي المجمع،: أجمعوا أي عزموا جميعا أن يجعلوه في غيابة الجب أي قعر البئر واتفقت دواعيهم عليه فإن من دعاه داع واحد إلى الشيء لا يقال فيه أنه أجمع عليه فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي. انتهى. والآية تشعر بأنهم أقنعوا أباهم بما قالوا له من القول وأرضوه أن لا يمنعهم أن يخرجوا يوسف معهم إلى الصحراء فحملوه معهم لإنفاذ ما أزمعوا عليه من إلقائه في غيابة الجب. وجواب لما محذوف للدلالة على فجاعة الأمر وفظاعته، وهي صنعة شائعة في الكلام ترى المتكلم يصف أمرا فظيعا كقتل فجيع يحترق به القلب ولا يطيقه السمع فيشرع في بيان أسبابه والأحوال التي تؤدي إليه فيجري في وصفه حتى إذا بلغ نفس الحادثة سكت سكوتا عميقا ثم وصف ما بعد القتل من الحوادث فيدل بذلك على أن صفة القتل بلغت من الفجاعة مبلغا لا يسع المتكلم أن يصرح به ولا يطيق السامع أن يسمعه. فكأن الذي يصف القصة عز اسمه لما قال: "فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ" سكت مليا وأمسك عن ذكر ما فعلوا به أسى وأسفا لأن السمع لا يطيق وعي ما فعلوا بهذا الطفل المعصوم المظلوم النبي ابن الأنبياء ولم يأت بجرم يستحق به شيئا مما ارتكبوه فيه وهم إخوته وهم يعلمون مبلغ حب أبيه النبي الكريم يعقوب له فيا قاتل الله الحسد يهلك شقيقا مثل يوسف الصديق بأيدي إخوته، ويثكل أبا كريما مثل يعقوب بأيدي أبنائه، ويزين بغيا شنيعا كهذا في أعين رجال ربوا في حجر النبوة ونشئوا في بيت الأنبياء. ولما حصل الغرض بالسكوت عن جواب لما جرى سبحانه في ذيل القصة فقال:"وأوحينا إليه" إلخ. قوله تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" الضمير ليوسف وظاهر الوحي أنه من وحي النبوة، والمراد بأمرهم هذا إلقاؤهم إياه في غيابة الجب، وكذا الظاهر أن جملة "وهم لا يشعرون" حال من الإيحاء المدلول عليه بقوله: "وأوحينا" "إلخ" ومتعلق"لا يشعرون" هو الأمر أي لا يشعرون بحقيقة أمرهم هذا أو الإيحاء أي وهم لا يشعرون بما أوحينا إليه. والمعنى - والله أعلم - وأوحينا إلى يوسف أقسم لتخبرنهم بحقيقة أمرهم هذا وتأويل ما فعلوا بك فإنهم يرونه نفيا لشخصك وإنساء لاسمك وإطفاء لنورك وتذليلا لك وحطا لقدرك وهو في الحقيقة تقريب لك إلى أريكة العزة وعرش المملكة وإحياء لذكرك وإتمام لنورك ورفع لقدرك وهم لا يشعرون بهذه الحقيقة وستنبئهم بذلك وهو قوله لهم وقد اتكى على أريكة العزة وهم قيام أمامه يسترحمونه بقولهم:"يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين" إذ قال:"هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون - إلى أن قال - أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا" إلخ.
ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان قائلا: قوله تعالى "فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" ﴿يوسف 15﴾ انظر إلى موضع قوله:"هل علمتم" (يوسف 89) فإنه إشارة إلى أن هذا الذي تشاهدونه اليوم من الحال هو حقيقة ما فعلتم بيوسف، وقوله: "إذ أنتم جاهلون" (يوسف 89) فإنه يحاذي من هذه الآية التي نحن فيها قوله: "وهم لا يشعرون" ﴿يوسف 15﴾. وقيل: في معنى الآية وجوه أخر: منها: أنك ستخبر إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك، وهو الذي أخبرهم به في مصر وهم لا يعرفونه ثم عرفهم نفسه. ومنها: أن المراد بإنبائه إياهم مجازاتهم بسوء ما فعلوا كمن يتوعد من أساء إليه فيقول: لأنبئنك ولأعرفنك. ومنها: قول بعضهم كما روي عن ابن عباس أن المراد بإنبائه إياهم بأمرهم ما جرى له مع إخوته بمصر حيث رآهم فعرفهم وهم له منكرون فأخذ جاما فنقره فظن فقال: إن هذا الجام يخبرني أنكم كان لكم أخ من أبيكم ألقيتموه في الجب وبعتموه بثمن بخس. وهذه وجوه لا تخلو من سخافة والوجه ما قدمناه، وقد كثر ورود هذه اللفظة في كلامه تعالى في معنى بيان حقيقة العمل كقوله تعالى: "إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (المائدة 105) وقوله:" وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" (المائدة 14) وقوله:" يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا" (المجادلة 6) إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة. ومنها: قول بعضهم إن المعنى وأوحينا إليه ستخبرهم بما فعلوا بك وهم لا يشعرون بهذا الوحي. وهذا الوجه غير بعيد لكن الشأن في بيان نكتة لتقييد الكلام بهذا القيد ولا حاجة إليه ظاهرا. ومنها: قول بعضهم: إن معنى الآية لتخبرنهم برقي حياتك وعزتك وملكك بأمرهم هذا إذ يظهرك الله عليهم ويذلهم لك ويجعل رؤياك حقا وهم لا يشعرون يومئذ بما آتاك الله. وعمدة الفرق بين هذا القول وما قدمناه من الوجه أن في هذا القول صرف الإنباء عن الإنباء الكلامي إلى الإنباء بالحال الخارجي والوضع العيني، ولا موجب له بعد ما حكاه سبحانه عنه قوله:"هل علمتم ما فعلتم بيوسف" (يوسف 89) إلخ.
وجاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى "فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" ﴿يوسف 15﴾ غيابت اسم، غيابة الجب: ما غابَ و أظلمَ من قعر البئر. وعلى كل حال فالقرآن الكريم يقول في هذا الصدد:" فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ". في العبارة المتقدمة حُذف جوابُ (لما) والتقدير كما يلي: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجبّ عظمت فتنتهم (تفسير القرطبي) ولعل هذا الحذف اقتضى لعظم هذه الحادثة المؤلمة أن يسكت عنه المتكلم، وهو بنفسه من فنون البلاغة العربية (تفسير الميزان). جملة (أجمعوا) تدلّ على أنّ جميع الإِخوة كانوا متفقين على هذه الخطّة، وإِن لم يتفقوا جميعاً على قتله. وأساساً فإنّ كلمة (أجمعوا) مأخوذة من مادة (جمع) وهي في هذه الموارد إِشارة الى جمع الأراء والأفكار. ثمّ تبيّن الآية أنّ الله أوحى الى يوسف وهدأ روعه وألهمه ألاّ يحزن فالعاقبة له، إِذ تقول: "وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" ﴿يوسف 15﴾. ذلك اليوم الذي تجلس فيه على العرش وأنت القوي الأمين، فيأتي إِخوتك ليمدّوا أيدي الحاجة إِليك، ويكونوا كالظامئين الى النبع العذب في الصحراء اللاهبة ويسرعون إِليك في منتهى التواضع، ولكنّك في حال من العظمة بحيث لا يصدّقون أنك أخوهم، وستقول لهم في ذلك اليوم: ألستم الذين فعلتم مع أخيكم الصغير يوسف كذا وكذا وكم سيكونون خجلين من فعلهم هذه في ذلك اليوم. وهذا الوحي الإِلهي لم يكن وحي النبوة، بقرينة الآية (22) من السورة ذاتها "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" (يوسف 22)، بل كان إِلهاماً لقلب يوسف ليعلم أنه ليس وحيداً، بل له حافظ ورقيب، وهذا الوحي بثّ في قلب يوسف نور الأمل وأزال عن روحه ظلمات اليأس والحيرة. لقد نفّذ إِخوة يوسف خطتهم كما أردوا، ولكن ينبغي أن يفكروا عند العودة ماذا كيف كي يصدّق أبوهم أن يوسف إنتهى بصورة طبيعية لا عن مكيدة ليضمنوا عواطف أبيهم نحوهم. وكانت الفكرة التي أوصلتهم الى هذا الهدف هي ما تخوّف أبوهم منه، فأقنعوه ـ ظاهراً عن هذا الطريق مدّعين بأنّ الذئب قد أكل يوسف وجاؤوا إِليه بدلائل مزيّفة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!