كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

لمن ستؤول الكلمة أخيرا هنجهيّة ترامب أم وعي الأمريكيين؟

 لا أحد بعد الذي حصل من أعمال إبادة في قاع غزة، لم يفزعه هول ما رأت عيناه من فظائع، حتى الشعوب والدول الغربية المساندة لإسرائيل، لم يسعها أن تلوذ بالصمت ازاء ما حصل، وعبرت بوضوح عن استياء أعلنته من خلال تصريحات، اعتبرت تلك الأعمال الوحشية، جرائم حرب يجب أن تتوقف، هذا على المستوى الدولي السياسي، وأبرز مثال على ذلك موقف الحكومة الاسبانية من العدوان على قطاع غزة المتواصل منذ أكثر من 15 عاما، بينما اتخذت الشعوب جميعها تقريبا، باستثناء ذوي النفس الصهيوني، مواقف معادية لإسرائيل، مطالبة حكوماتها بوقف أعمال الإبادة، في مظاهرات عارمة، شملت جميع عواصم ومدن أوروبا وآسيا وأمريكا، وكان الفريقين نصيب منها.
لقد أسقطت وحشية الجيش الصهيوني في تعامله مع الفلسطينيين، جرائم النازية المقترفة بحق اليهود، وأجزم بعد الإبادة الوحشية التي لا تزال جارية، أنه لم يعد هناك في الغرب، من بقي يعتقد أن الهولوكوست حقيقة وأن اليهود مستهدفون، وأنّ على العالم أخذ ذلك بعين الاعتبار بالإشفاق عليهم واعطائهم حقوقهم، بل يرى الهولوكوست مجرد شعار خاو على عروشه، لشعب يهودي تصهين، وأثبت من خلال ما اقترفته عساكره، أنه عنصري دموي وعدواني، لا يباريه أحد في شروره، معاد لبقية شعوب العالم، وليس العرب والمسلمين وحدهم، لقد أثبت الصهاينة بما لا يدع مجالا للشك، أنهم يشكلون  خطرا على الإنسانية، وعقيدتهم بانهم شعب الله المختار، لا تزال راسخة في أذهانهم ساسة وشعبا، يتوقون إلى تحقيق رأوه من خلال تاريخهم القديم إعادة بناء هيكل سليمان، وما يعنيه ذلك من أطماع صهيونية غير خافية في السيطرة على العالم.    
 انكشف غطاء الحملات الإعلامية، من أجل إصباغ حالة من الشرعية التاريخية الكاذبة، على الوجود الصهيوني على أرض فلسطين، ولم يعد في هذا الزمن من يصدق مقالتها، ومثلما أعلت الدعاية الغربية الزائفة من شأن إسرائيل، نقضت هذه الأخيرة نفسها بنفسها، كاشفة عن وجهها القبيح، الذي استفز من غزة أحرار العالم، ودفعهم دفعا نحو التظاهر، تنديدا بما اقترف الصهاينة من أعمال إبادة، مخطط لها من قبل بتأجيل التنفيذ، وقد سنحت فرصته بطوفان الأقصى، فكشف عن مخططه الخبيث.
وفيما تضحي إيران وتجهد نظامها وشعبها، من أجل الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني، والإمساك بملفه الشائك، الذي باعه من باع من أشقائه العرب، فلا تكاد تتبيّن من بقي معه، ممن غادر صفّ مناصرته ولو بالموقف السياسي، نشهد في مقابل الخذلان العربي للقضية الفلسطينية حكومات وشعوبا، وعيا متزايدا من بقية شعوب العالم، من شأنه أن يكون له تأثير هام على المستوى المعنوي والسياسي، سيقلب التعاطف القديم للكيان الصهيوني إلى كراهية وعداء، سيكون لهما وزن في المعادلات السياسية المستقبلية، ولن تفلح إسرائيل فيما خطط لها ساستها، بعد كل الجرائم التي ارتكبتها قواتها في غزة. 
في المجال الإعلامي الغربي الذي كان مسخّرا لإسرائيل، بدأت علامات الوعي تظهر على عقول بعض وجوه اعلامها المنحاز، فتتغيّر مواقفهم راسا على عقب، لتتحول من حالة تأييد أعمى إلى إسرائيل، إلى حالة من الشعور بالذنب، والاستفاقة من سحر سامري بني صهيون، إلى حقيقة ظلت مخفية بهالة من الدعايات الكاذبة، التي كانت تعطي الحق للصهاينة، بارتكاب مزيد من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، بدعوى الدفاع عن النفس، فقد صدمت الهجمة الصهيونية الوحشية على سكان غزة كل من به نفس طيّب من الإنسانية، من بين هؤلاء (تاكر كارلسون) المذيع الأمريكي الأشهر والأكثر تأثيرًا، الرجل الذي طالما كان من أكبر داعمي إسرائيل، ينقلب اليوم عليها بجرأة لم يسبق لها مثيل، فيصرّح على الهواء مباشرة، وبكل ثقة في النفس: "لا يوجد شيء اسمه شعب الله المختار… الله لا يختار شعبًا يقتل الأطفال. هذه هرطقة، وهؤلاء مجرمون ولصوص."
هذا الإعلامي الأمريكي الشهير تحدى مجتمعا مازال اللوبي الصهيوني متحكما فيه سياسيا وماليا واقتصاديا وحتى أمنيا، وبمقدوره أن يتخلّص من أيّ شخص يراه خطرا على المشروع الصهيوني، الذي امتدت عروقه من بريطانيا وأمريكا لتتجذّر داخل فلسطين المحتلة، كلمة حقّ صدع بها وهو يدرك تماما أنّها قد تكلّفه حياته، ومع ذلك لم يتردّد في التصريح بها على الهواء مباشرة، فما ارتكبته القوات الصهيونية من جرائم فتحت عيون وعقول كل انساني لم تتلوث أفكاره بما يحوّله من إطاره الإنساني إلى إطار دون ذلك يكون فيه أقرب للشيطنة من ايّ شيء آخر.
وعي تاكر كالسون أخذه من حال مناصرة الصهيونية إلى مناصرة الحق الفلسطيني، بل أكثر من ذلك قام بفضح سياسة ترامب والبيت الأبيض الداخلية، وانعكاساتها السلبية على السياسة الخارجية، لقد عبّر عن الصوت الأمريكي الثائب إلى رشده، من تأثير الدعايات الصهيونية الكاذبة بقوله: إن350 مليون أمريكي ينامون جوعى، ونحن نرسل 26 مليار دولار لدولة لا نعرف اسم عاصمتها."هذا التصريح المدوّي الفاضح حصد 48 مليون مشاهدة خلال 9 ساعات، وأظهر استطلاع CNN أن 62٪ من الأمريكيين يوافقونه، مؤكدًا حجم الانقسام بين السياسة الخارجية والأولويات الداخلية. وفي رسالة منه الى الرئيس الأمريكي ترامب على الهواء مباشرة معترفا: اني أحبّ ترامب، وقمت بدعمه في حملته الانتخابية، ولكني الآن مستاء جدًا من تركيز طاقتنا ووقتنا وأموالنا على إسرائيل، هذه خيانة مطلقة لوعوده."
 ومع انتخاب عمدة نيويورك الجديد المسلم مامداني، يبدو أن تغييرا جذريا بدأ يظهر على الساحة الداخلية الأمريكية، بالتأكيد سيكون لها تداعيات مؤثرة إيجابا على الرأي العام الأمريكي في المستقبل القريب، قد نستبقه للقول بأنّ وعيا داخليا أمريكيا بدأ يكبر، قد يشكل عائقا يحول دون سلاسة مرور سياسات التعجرف والمغامرات الغير محسوبة من طرف حكام أمريكا، فهل سيكون ترامب ضحية عنجهيته المفرطة، ووعي الشعب الأمريكي، الذي قد يعطل كل تحيّز لإسرائيل، بازدياد نسبة الوعي فيه  
 

عنجهية ترامب.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!