كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ستة عشر يومًا فقط... هل تكفي ليموت قلب؟

في صباح غائم بالوجع، زرتُ صديقًا فقد طفله بعد ستة عشر يومًا فقط من ولادته. رأيته جالسًا كمن يحمل عمرًا من الحزن، يتساءل بصمت أثقل من الكلام عن سرّ هذه الرحلة القصيرة التي انتهت قبل أن تبدأ. حاولت أن أواسيه ليس بالكلمات وحدها، بل بالحضور القريب الذي يخفف ثقل الفقد؛ فبعض الأحزان لا تحتاج إلى حديث، بل إلى قلبين يتقاسمان الوجع. أخبرته أن رحمة الله أوسع من كل ما نعرف، وأن طفله رحل إلى مكان لا ألم فيه، وأن الصبر في مثل هذه اللحظات هو ما يبقي الإنسان واقفًا أمام إعصار الفقد.
 
كان وجعه كبيرًا، لكنه وجع يترك خلفه نورًا صغيرًا يرجوه الإنسان حين يؤمن بأن الصغار شفعاء ونور يوم القيامة. والفقد قديم قدم الإنسان نفسه، فقد سعت الحضارات القديمة إلى فهم موت الأطفال ومحاولة تفسيره، ولم يكن السومريون استثناءً. هؤلاء الذين عاشوا على أرض الرافدين لم ينظروا إلى موت الصغار بوصفه حدثًا طبيعيًا، بل كلغز كوني يهدد معنى الحياة والعدالة.
 
سؤالهم يشبه سؤال صديقي اليوم: لماذا يموت الأطفال؟ وللخروج من هذه المعضلة، ابتكر السومريون فكرة الخطيئة الموروثة، معتبرين أن الإنسان يولد وهو يحمل نصيبه من الخطيئة، كجزء من النظام الكوني الذي يربط البشر بالآلهة ويحفظ توازن العدالة. فلو كان الطفل بريئًا تمامًا، فإن موته يضع الآلهة في موضع القسوة، وهذا أمر لا يقبله وعيهم الديني. لذلك أصبح موت الأطفال تفسيرًا لاهوتيًا يحفظ صورة الآلهة ويمنح الإنسان قدرة على تحمل الفقد.
 
ومع أن هذا الاعتقاد يبدو قاسيًا، إلا أنه يعكس خوف الإنسان من العبث؛ فموت الطفل هو النهاية بلا بداية، صفحة تُنتزع من كتاب الوجود قبل أن يُكتب عليها شيء. ولأن الإنسان القديم لم يحتمل هذا الفراغ، لجأ إلى الأسطورة ليجعل للموت سببًا، حتى لو كان مؤلمًا. واليوم، رغم أن العلم قدّم تفسيرات دقيقة لأسباب موت الأطفال، إلا أن الإنسان ما زال يعيش نفس السؤال القديم، وما زال قلبه يهتز بالوجع نفسه؛ فالمعرفة لا تشفي الجرح، لأن الفقد لا يُقاس بالطب، بل بالقلب.
 
وهكذا، لم تكن فكرة الخطيئة التي تولد مع الإنسان قسوة سومرية، بل محاولة بشرية لفهم الكون والنجاة من سؤال موجع: لماذا يُنتزع الأطفال من أحضان آبائهم؟ فالموت المبكر، في كل زمان، هو حفرة سوداء في قلب العالم، وما يفعله الإنسان منذ سومر وحتى اليوم هو مجرد محاولة لملء هذه الحفرة ببعض التفسير، وبقليل من الصبر، وبكثير من الألم الذي لا يندمل.

بابل.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!