كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

آيات قرآنية في كتاب أسرار الصلاة للشيخ جوادي الآملي (ح 3)

جاء في کتاب أسرار الصلاة للشيخ جوادي الآملي: اصالة النية: أنّها إذا تحقّقت وقويت تكون الصلاة مناجاة مع اللَّه، ومعراجا للمصلَّي، وإذا ضعفت وذهل المصلَّي عنها تفقد تلك الصلاة صبغة النجوى ويصير المصلَّي مستحقّا للويل، كما قال تعالى فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ * وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (الماعون 4-7). إنّ المصلَّي الناوي الذي تكون نيّته خالصة لا يكون جزوعا ولا منوعا، بل هو ممّن في ماله إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) (المعارج 20-25)، والمصلَّي الساهي الذي تكون نيّته مشوبة بالذهول يرائي ويمنع الماعون، وكم فرق بينهما، ومدار الفرق إنّما هو النيّة في الأوّل، والذهول عنها في الثاني، لا فعل الصلاة ظاهرا لاستوائها في الحالين، وسيوافيك تفصيله في الصلات القادمة.

وعن المقروء يقول الشيخ الآملي حفظه الله في كتابه: والشاهد على أنّ المقروء أي: القرآن الكريم له سرّ هو ما بيّنه اللَّه سبحانه بقوله إِنَّا أَنْزَلْناه ُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّه ُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (الزخرف 3-4) لدلالته على أنّ الموجود بين الدفّتين بما أنّه كتاب عربيّ فهو قرآن، وهو نفسه بما أنّه في أمّ الكتاب أيضا قرآن، وبما أنّه عليّ حكيم أيضا قرآن، وهنالك أي: أمّ الكتاب، ولدى اللَّه لا مجال للاعتبار من وضع الألفاظ العربيّة أو العبريّة أو نحوهما، وليس لدى اللَّه إلَّا الأمر المجرّد التامّ العقليّ الذي لا يناله إلَّا العقل المحض الخالص عن شوب الخيال والوهم، وكما أنّ ظاهر القرآن العربيّ لا يمسّه إلَّا الطاهر عن الحدث والخبث كذلك سرّه لا يمسّه إلَّا المنزّه عن الرين والدنس، وهو الالتفات إلى غير المعبود، إذ الناظر إلى غيره لا يقدر العروج إلى موطن اللدن، وإذا لم يعرج إليه ليس في وسعه أن ينال أمّ الكتاب العليّ الحكيم، لأنّه لدى اللَّه تعالى. أنّ النظام العينيّ قد استقرّ على العلَّيّة والمعلوليّة كما قال أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام: (كلّ قائم في سواه معلول)، أي: كلّ موجود لا يكون وجوده عين ذاته فهو معلول لما يكون وجوده محض ذاته، ولا ريب في لزوم كون العلَّة أقوى من المعلول، ومع ذلك قال بعض أهل المعرفة: إنّ (بسم اللَّه) من العبد بمنزلة (كن) من الربّ، وقد ورد فيه: أنّه أقرب إلى اسم اللَّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها، فالمصلَّي العارف بحكمة الصلاة، المتأدّب بأدبها يصل إلى حدّ يكون تلفّظه ب بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (الفاتحة 1) في بدء الفاتحة الَّتي لا صلاة بدونها بمنزلة (كن) من اللَّه الذي إذا صدر منه يتحقّق المراد ويكون (بالكون التامّ لا الناقص ).

وعن سر الاسم الأعظم يقول آية الله الشيخ جوادي الآملي: ومن المعلوم أنّ القراءة بوجودها الاعتباريّ لا تقدر على التأثير العينيّ، بل بما لها من السرّ الوجوديّ، والاسم أمر عينيّ مسبّب عن العيب والنقص، فلذا أمر اللَّه سبحانه رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله بالتسبيح له حيث قال تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (الأعلى 1)، وذلك الاسم هو سرّ للاسم اللفظيّ الذي يقرأه المصلَّي. ولا خفاء في أنّ سرّ الاسم الأعظم هو أعظم الأسرار، ولا ينال إلَّا بخرق الحجب طرّا كما مرّ في تكبيرات الافتتاحيّة، ولذا ورد في حديث المعراج (فلمّا فرغ من التكبير والافتتاح أوحى اللَّه إليه: سمّ باسمي، فمن أجل ذلك جعل بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم في أوّل السورة). وحيث إنّ بسم اللَّه في أوّل كلّ سورة له معنى خاصّ مطابق لما تحتويه تلك السورة، وكانت سورة الحمد كافلة لمعارف جمّة فبسم اللَّه الواقع في أوّلها جامع لتلك المعارف، ولمّا كان إدراك تلك المعارف مرقاة إلى شهود إسرارها فلنأتي بشيء منها، لأنّ الحرّ تكفيه الإشارة عن العبارة.

وعن الرحمانية يقول الشيخ الآملي حفظه الله: عنوان الرحمانيّة الَّتي هي أيضا من الصفات الخاصّة، لأنّها وإن كانت أعمّ من غيرها إلَّا أنّها بالقياس إلى عنوان (اللَّه) خاصّة، وإن يظهر من بعض أهل المعرفة كونها أيضا اسما أعظم نظير عنوان (اللَّه) حسبما يستفاد من قوله تعالى قُلِ ادْعُوا ا للهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى (الأسراء 110) لدلالته على أنّ كلّ واحد من (اللَّه) و (الرّحمن) واجد للأسماء الحسنى، إذ المستفاد منه: أنّ كلّ واحد من ذينك الاسمين فله أي: لكلّ واحد منهما الأسماء الحسنى، إذ الضمير يرجع إلى أيّ، لا إلى خصوص الذات المطلقة الواجبيّة، ولكن لمّا لم يجعل عنوان (اللَّه) وصفا وتابعا، ولكن يجعل عنوان (الرّحمن) وصفا وتابعا، فيمكن الفرق بينهما بجعل (اللَّه) جامعا وجعل (الرّحمن) شارحا.

وعن العلاقة بين العبادة والصلاة يبين آية الله الشيخ جوادي الآملي: وحيث إنّ المصلَّي بعد معرفة استحقاق اللَّه سبحانه للعبادة بالبرهان الذي أقامه القرآن يريد أن يصل إلى معروفه بالعيان، أي: العرفان، ولا وسيلة لتلك الصلة إلَّا الصلاة، كما قرّر من أنّها حجزة عن الرين وما يوجب البعد، ووصلة بين العبد والمولى، يتوسّل إليه تعالى بالعبادة، ويناجيه بقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ (الفاتحة 5) بتقديم ما يفيد الحصر، ولعلّ قصده في التعبير بالمتكلَّم مع الغير هو: أنّه في صفّ سائر الموجودات العابدة له تعالى، إذ اللَّه ربّ للعالمين الَّذين يعبدون ربّهم الواحد، أو هو أنّه في صفّ سائر المصلَّين الراكعين الساجدين الَّذين أمرنا اللَّه تعالى بأن نكون معهم، كما قال تعالى وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (البقرة 43)، أو هو أنّه مع قلبه وسائر جوانحه وجوارحه بائتمامهم بإمامهم، أي: العقل القاهر على ما عداه يعبدونه تعالى، لأنّ المؤمن وحده جماعة، كما تفطَّن له المجلسيّ الأوّل قدّس سرّه. وعلى أيّ تقدير: يحتاج السالك في طيّ طريق العبادة الصالحة لأن توصل العبد إلى مولاه وتجعل معقولة مشهوده إلى الإعانة، ولمّا انحصرت الربوبيّة في اللَّه تعالى فلا معين إلَّا هو، ولذلك يناجي ربّه بقوله إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة 5) بتقديم ما تقدّمه يفيد الحصر، وحيث إنّ اللَّه سبحانه معين من استعانة فيعينه بما استدعاه، ويهديه إلى صراط الَّذين أنعم اللَّه عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، فهؤلاء الَّذين هم على الصراط المستقيم وهم المنعم عليهم هم الَّذين يعبدون اللَّه سبحانه ويناجونه، والمصلَّي يرى نفسه معهم، وهم الَّذين لم يخلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، بل هم الَّذين خلصوا من دم الإفراط، وروث التفريط، ونجوا من الغضب والضلالة، وقالوا: ربّنا اللَّه واستقاموا، فتتنزّل عليهم الملائكة المبشّرات. والمصلَّي إذا نجا من جانبي الغضب والضلال ومشى على الصراط السويّ وأخلص عبادته للَّه تعالى يأتيه اليقين، أي: عين اليقين، فيشاهد ما فهمه بالبرهان، ويجد ما وعده القرآن بقوله تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (الحجر 99)، إذ المراد من الآية: هو بيان الفائدة، لا الغاية، لأنّ معناها: أنّ من بركات العبادة وفوائدها هو: حصول اليقين، لا أنّ المراد منها هو تحديد العبادة وتعيين حدّها به، بحيث إذا حصل اليقين ما زالت الحاجة إلى العبادة، بأن تكون العبادة بمنزلة النعلين، حتّى إذا بلغ السالك إلى الوادي المقدّس اليقين يلزم خلعهما، بل العبادة بمنزلة المقدّمتين للنتيجة، والمرقاة للصعود إلى الدرجة الراقية، بحيث يلزم حفظ المقدّمتين للنتيجة حدوثا وبقاء وكذا صون السلَّم للصعود، حتّى إذا زالت المقدمتان زالت النتيجة، وإذا سقط السلَّم هبط الصاعد كهبوط الشيطان المرجوم بقوله تعالى: فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها (الأعراف 13). ثمّ إنّ المصلَّي المناجي ربّه قد يكون نجواه بلا وسيط من حجاب أو رسول، وقد يكون من وراء حجاب، وقد يكون بوساطة رسول، كما أنّ اللَّه تعالى المتكلَّم لعبده لا يكلَّمه إلَّا بأحد الأنحاء الثلاثة حسبما أفاده في سورة الشورى، حيث قال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَه ُ ا للهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِه ِ ما يَشاءُ إِنَّه ُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشورى 51).

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!