عندما تنقلب الحقيقة، أيّ حقيقة تتعارض مع السياسة الاستكبارية عند المنظومة الغربية،ُ ليصبح دورها عكسيا، تراها بعين جحودها عملا باطلا، وتسمه على منصات إعلامها، بأنه عمل معارض لمشاريع هيمنتها، فتعاديه بعنف، وتحكم عليه بالإرهاب، في محاولة لتشويهه، وتضعه دعائيا في قفص اتهام، لا تتماشي وحقيقة أهدافه، في عالم بدأ يخرج من خيمة إستعباده، لتعيش شعوبه بعيدا عن إلزاماته القهرية، فذلك مؤشر وعي وسلامة فكر، واستفاقة ضمائر شعوب مضطهدة قديما وحديثا، وهي بالتالي قد عبرت عن رفض تام للسياسات الغربية، ودفع أذاها عنهم بكل الطرق المتاحة، ولا خيار عن اعتماد أسلوب مقاومة، أثبت جدواه على الميدان، والتجارب في هذا المجال عديدة، بدأ من صمود الشعب الفييتنامي وانتصاره الباهر في حرب تحرير بلاده من الهيمنة الأمريكية إلى غاية اليوم، من جرائم ارتكبتها أمريكا بسياستها الرعناء، دون أن تجد من يردعها عن مواصلة نهجها العدواني.
عندما نستعرض المواقف الغربية المتطرفة، بدولها التي اجتمعت بكل أنانيّة لحماية مصالحها، اختارت انتهاج سياسة الحيف والتسلط والظلم، اعتمدت على استغلال الدول المتأخرة عن ركب تطورها صناعيا، ندرك جيدا مدى الخطر الذي يتهدد تلك الدول المستهدفة بسياساتها المتعجرفة، فمن لم تستغله سياسيا، استغلته اقتصاديا، ومن لم تستغله ماليا بإخضاعه لصندوق نقدها، في شكل قروض مشطة لا مردودية لها، استغلته ثقافيا وتعليميا، فنتج عن ذلك ظهور علامات تغرّب بادية على ألسن الشعوب المستعمرة في حياتها العامة، بسبب انعكاسات مناهج تعليمية فاسدة، حلّت محلّ ثقافتنا الإسلامية، بل وأقصتها عن جميع أوجه الحياة، فلم يبقى منها سوى ما رسمته أحرف التاريخ عنها، وليتها هي الأخرى وصلتنا بغير تحريف لحقائق بشأنها.
على الرغم من الخيبات التي منيت بها دول الغرب، خلال الحقبة الاستعمارية، فترة بسط نفوذها العسكري على شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فإن عقلية الهيمنة واستغلال الشعوب الضعيفة، بقيت مسيطرة على أغلب دولها، لم تتخلى عنها في هذا الزمن، الذي شهد تعاطيا جديدا للشعوب، مع استحقاقاتها في مواجهة أطماع الغرب المتغطرس، الذي لم يترك للشعوب المستضعفة مجالا، يتيح لها العيش بحرية وكرامة، ومع هذه الصحوة الشعبية التي يشهدها عالمنا، فإن عصر الهيمنة الغربية بدأ في الأفول والانحسار، ليحلّ محله عصر تكافئ فرص العيش الكريم بين شعوب العالم.
عقلية مناوأة منظومات الغرب الإستكبارية، نشأت بعد الحرب العالمية الثانية بأشكال مختلفة، منها مقاومة قواها الإستعمارية، والتحذير من تغلغل سموم ثقافتها بين الشعوب، لكنها شهدت تعاطيا ثوريّا جديدا، بعنوان معاداة ومواجهة الشيطان الأكبر، بدأه الإيرانيون تلاميذ قائد ثورتهم الخميني الذي قال كلمة حقّ، بشأن التورّط الأمريكي في إفشال قضايا تحررية كقضية فلسطين، وما كشفه أبناؤه الطلبة الثوار من وثائق استولوا عليها من مقرّ السفارة الأمريكية، تؤكّد تلك السلوكيات العدانية تجاه الشعوب المستهدفة، وفي مقدّمتهم الشعب الإيراني.
فضحا لتلك الممارسات وتنبيها لما قد يصدر من مواقف استكبارية من طرف أمريكا وحلفها الغربي، أشار السيد الخامنئي: وإنكم لو نظرتم الآن إلى المشهد الجغرافي لهذا العالم، في تقسيماته وممارساته السياسية، لوجدتم على ماذا يستند أولئك الذين يتصوَّرون امتلاكهم لكل شيء على هذه الأرض، والذين ينظرون باحتقار لكل الشعوب، ويسيطرون ظلمًا وعدوانًا على المصادر البشرية والمادية، وهم قوى الاستكبار، فعلى ماذا يعتمد هؤلاء؟ إن أهم ما يعوّلون عليه هو الإيحاء للشعوب بأن قوتهم قوة لا منازع لها.. إن النزاع الدائر في العالم، سواء في الماضي أو الآن أو في المستقبل، سببه أن القوى الإستكبارية تسعى إلى تقرير مصير الشعوب وفق ما تشاء.. لقد تظاهرت القوى الشيطانية، وما تسمونه بالاستكبار الذي يتمثّل في أمريكا ضد البشرية والقيم الإنسانية.. إنّ أرواح آلاف الأشخاص لا قيمة لها عندهم، فقد شاهدتم كيف أن إسرائيل في ظرف خمسة عشر أو ستة عشر يومًا، قتلت وجرحت وشرّدت عشرات الآلاف، وأحدثت الفجائع دون أن يطرف جفن للاستكبار العالمي، الذي يستفز أجهزته، ويبذل الأموال رياءً لإنقاذ حياة قطة سقطت في بالوعة رغم أنها حيوان.
هكذا هي أمريكا والغرب عموما بعقليته الاستكبارية المتعالية، يقيمون وزنا ويعطون أهمية بالغة للحيوان، من حيث رعايته وتوفير مستلزمات عيشه، بينما تتناقض في سلوكها مع الجنس البشري الملوّن، فهو بتلك الصفات والخصائص، لا يرتقي حتى ليكون أهلا للعناية والرعاية مثل الحيوان الذي يعيش بينهم، إنّ إزهاق عشرات آلاف المدنيين على أرضهم في غزّة، في هجمة وحشية غير مسبوقة في التاريخ، بتأييد ودعم أمريكي غربي واضح، هي جرائم حرب ترتكب كل يوم في فلسطين ولبنان واليمن، من دون رادع يحول بينها وبين أدواتها، لذلك وجب على شعوب المنطقة أن تفعل ما في وسعها، للوقوف في وجه هذه الحملات العسكرية التي تحضّر لها وتشنها القوات الأمريكية، من خلال أساطيلها وقواعدها العسكرية المنتشرة هنا وهناك في العالم، هدفها الإرهاب والعدوان، وليس هناك طريق يؤمّن هذه الشعوب المستهدفة غير المقاومة والدفاع عن بلدانها، فلا أمم متحدة بإمكانها أن تحصّل حقّا ولا مجلس الأمن يمكن أن يقدّم حقّا على عدوان ويدين المعتدي من خلاله.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!