للشعر ذاكرة، فضاءات ملحمية، تغمر الروح بأسئلة تجيش بالخاطر، تذهل عقل كل بصير،
سبحان الله خالق الحياة والموت، منه وله المعنى، وفي أي وقت شاء يحتكم النشور.
البعض يسألني: ـ الأرض كانت حاضرة في الطف، أين كانت عنه لحظتها السماء؟
: ـ كانت حاضرة فيه وفي معناه، شاءت حكمة الله سبحانه أن يفتدي الدين دمه، لهذا يكذب من يقول بقى الحسين "عليه السلام" في الطف بلا نصير، رغم قناعتي ما زال السؤال يوكز أوجاع كل إنسان غيور، أين كان الملائكة ساعة الطف؟
**
وفاء: ـ السؤال عميق جدا في جوهره، وأظنك لا تقصد مكان وجود الملائكة عند الواقعة، إنما تقصد سر الامتناع عن النصرة، أي "لماذا يحضر الملائكة ولا يؤذن لهم بنصرته "سلام الله عليه"؟
ولماذا يشهد الغيب المأساة ولا يغير مجراها؟
ورد في الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قوله: «وأربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين (عليه السلام) فلم يؤذنْ لهم في القتال. فهم عند قبره شعثٌ غبرٌ يبكونه إلى يوم القيامة)
وفي رواية أخرى يحدث الإمام الرضا "عليه السلام" ابن شبيب (ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قُتِلَ)
وهنا يتجلى المعنى: الملائكة لم يرسلوا ليصنعوا النصر العسكري، جاءوا ليشهدوا هذا الامتحان العظيم الذي لا يقوى عليه إلا من خصه الله سبحانه بجليل القدر فامتحنه بأشد البلاء.
وكما نفهم من الروايات أن الابتلاء سنة تتصدرها الأنبياء والأوصياء، يخوضون الابتلاء بقلوب ثابتة فيرفعهم الله سبحانه ويوفيهم أعلى أجور الصابرين.
تروي النصوص أن أربعة آلاف من الملائكة هبطوا لنصرة الحسين "عليه السلام"، لكنهم وقفوا على حدود أعتاب المعركة، وقفوا شعثًا غبرًا إذعانا لأمر الله سبحانه.
ولو أن الملائكة قاتلوا يومئذ، لالتقط النصر من يد التاريخ قبل أن يدون، ولأطفئت الشعلة التي شاء الله لها أن تكون منارة لا تخبو، ولما أينعت الدماء الطاهرة هذه الثمرة التي نشاهدها اليوم، حيث أن الدين كان يحتاج إلى دم يغذي شريانه ليكون حجة وشاهدا على الأمة.
لذلك، كان حضور الملائكة شهوديا لا تدخليا؛ حضورا يعلو فوق منطق النجدة، وأظن أنه أصبح جليا على من كانت له الغلبة، وأربعين الإمام الحسين "عليه السلام" شاهد على ذلك...
"مَشِيئَةُ الخُلُودِ"
تَدَلَّى الكَرْبُ مِنْ صَدْرِ السَّمَاوَاتِ
وَفِيهَا الرُّوحُ يَخْفِقُ فِي ابْتِهَالَاتِ
فَلَا عَجَبٌ إِذَا مَا نَاحَتِ الأَفْلَا
كُ وَالأَزْمَانُ حُزْنًا وَانْكِسَارَاتِ
وَيَشْهَدُ شَاهِدُ المَلَكُوتِ أَنَّ المَا
لِكَ الجَبَّارَ يَغْضَبُ لِلجِرَاحَاتِ
بِقَلْبِ الطَّفِّ قَامَتْ قِمَّةُ المَعْنَى
بِصَفْوَةِ سَيِّدِ الأَحْرَارِ بِالذَّاتِ
وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الآلَافِ قَدْ مَثَلَتْ
مُسَوَّمَةً تُسَاقُ إِلَى الشَّهَادَاتِ
وَقَدْ وَقَفَتْ تُرَاقِبُ فِي فَضَاءٍ مِنْ
شَجًى يَدْعُو يُصَلِّي بِالضَّرَاعَاتِ
تَرَى ظَمَأً... وَنَحْرًا يَمْنَحُ الدُّنْيَا الـ
ـحَيَاةَ فَتَرْتَوِي رَيَّ الكَرَامَاتِ
وَلَوْ مَدَّتْ يَدَيِهَا نَحْوَ صَارِمِهَا
لَأَضْحَى ظَاهِرُ المَعْنَى انْتِصَارَاتِ
وَلَـٰكِنْ شَاءَ مُرْسِلُهَا بِأَنْ تَبْقَى
دِمَاءُ السِّبْطُ بُرْهَانَ الظُّلَامَاتِ
وَتَهْمِسُ حِكْمَةُ الرَّحْمَـٰنِ أنَّ مُصِيـ
ـبَةَ المَظْلُومِ بَابٌ لِلْقَدَاسَاتِ
هُنَا المَعْنَى الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الظُّلْـ
ـمُ يَطْمِسُهُ بِشَفْرَةِ سَيْفِهِ العَاتِي
مَقَامٌ بُيْهِرُ المَعْنَى خَفِيٌّ لَا
يُحِيطُ بِهِ ضَمِيرُ الأَبْجَدِيَّاتِ
لَهُ مَغْزًى يَفِيضُ عَلَى المَدَى وَجْهًا
مِنَ الأَسْنَاءِ حِفْظًا لِلدِّيَانَاتِ
وَكَرْبٌ كَرْبَلَا تُبْدِيهِ تَارِيخًا
بِخَفْقِ الحُزْنِ مِنْ خَفْقِ البَلِيَّاتِ
وَإِنْ تَاهَتْ خُطَى التَّارِيخِ يَبْقَى عَا
شِرُ العَاشُورِ رَمْزًا لِلْهُوِيَّاتِ
وَتَبْقَى حِكْمَةُ الجَبَّارِ تَخْلِيدَ الـَّ
ـذِي قَدْ جَاءَ فِي سِفْرِ النُّبُوءَاتِ


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!