كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

فراتٌ جديد بكلّ لغات الأرض 

 الراوي: صوتٌ لا يُرى، لكنه يُسمع كلما بكى إنسانٌ مظلوم.
في ركنٍ من ذاكرةِ الزمن، على حافةِ صمتٍ كاد يبتلعُ المعنى، كنتُ أجلسُ في الظلّ الأخير من العصر، أتنقّل بين لغات البشر كما تتنقّل الطيورُ بين الفصول. لم أكنْ إنسانًا، بل صوتًا... صوتًا حملته الريحُ من أرضٍ قُطعت فيها الأجسادُ لتبقى القلوبُ موصولةً بالحقيقة.
أنا "صوتُ الحسين"، لا يعرفني الناسُ باسم، لكنّهم يبكونني بألف لهجة، وينطقونني بكلِّ لسانٍ حين تُذبح العدالة.
في البدء، كنتُ نحيبًا بسيطًا في خيمةٍ محترقةٍ تُدعى كربلاء، ثم امتدّ بي الوقتُ كأنه جناحُ فراشةٍ يلامسُ قاراتِ المعنى. كلما عبرتُ حدودًا، خلعتُ عني جلدَ اللغة، وارتديتُ صوتًا جديدًا.
في القاهرة، رأيتُها تبكي... امرأةٌ في حيٍّ قديم تُنشدُ "الرجبية"، كانت لا تعرف الحسين تمامًا، لكنها كانت تبكيه كما يُبكى الابنُ الضائع.
في إسطنبول، كنتُ أُترجمُ إلى أنينٍ تركيّ، حيث "زيد" آخر يصرخ: "أدرك أخاك!"، وكأن المآسي تعيدُ نفسها بلغاتٍ متعددة، لكنّ الألمَ دائمًا واحد.
وفي لندن، سألني شابٌّ يوزّع منشوراتٍ عن عاشوراء:
"Is there any helper?"
أجبته بدمعٍ سالَ على خدِّ متظاهرٍ في "ترافلغار سكوير":
"الدمُ الذي سُفك منذ ١٣ قرنًا، لا يحتاجُ إلى ترجمة... فقط إلى ضمير."
سألتني لغاتُ العالم:
لماذا يُفجّر اسمك كلّ هذا الحزن؟
أجبتها:
لأنّ الظلمَ لا يحتاجُ إلى قاموس، بل إلى مقاومة،
ولأنّ كلّ لغةٍ تنطقُ بـ"الحرية" هي كربلاءٌ أخرى.
في الهند، ناداني "العاشق" بلغة الأردو، رأيتُه يُرّدد اسم "مسلم بن عقيل" كأنّه شهيدُ البلاد.
في إيران، لبستُ ثوب "الرثاء الفارسيّ"، وقلتُ لهم على لسان العقيلة:
"الموت مع الحق حياة"..
وفي الصين، نُقِشَت كلماتي على لسان إمامٍ وقور بلغة "الماندرين":
"الحُرّ لا يموتُ على الرُكب".
كلُّ ترجمةٍ كانت ولادةً جديدة، وحين تحدّثَوا بـ"زينب" بالإنجليزية، صار صبرُها أيقونةً عالميّة تُدرّس في جامعات الحقوق.
وحين رويتُ للأناضول، فهموا أنّ الوفاءَ لا يُختصُّ بلغةٍ ولا أرضٍ.
وفي قارةِ أفريقيا، رأيتُ دمعَ سواحليٍّ يهتف: "يا حسين!"،
وكانت دموعُه أعذب من كلِّ ترجماتِ الشعر.
ذات شتاءٍ، كنتُ في اليابان،
"رادودو" شابٌّ باكستانيٌ بكى وهو يهتف: "يا حسين!"
فارتجّت القلوب التي لم تقرأ يوما العربية.
وفي البرازيل، ارتفع النياحُ في طقوسٍ غريبة على لغتهم، لكنّه قال بلغتهم ما قلته في الصحراء:
"الظلمُ لا يحتاجُ ترجمانًا".
يا مَن تقرؤونني بلغةٍ لا تعرفُ الضاد:
-  اعلموا أنني ثورةُ الكلمةِ على صمتِ التاريخ، فأنا اللسانُ الذي لا تُرهقه الترجمة، أنا الحسين... حين يُنادى اسمي في شوارع الأرض كلّها.
-  نادوني بكلّ لهجةٍ، أيقظوا العالم من سباته، فكلُّ لغةٍ تروي مقتلي، هي فراتٌ جديدٌ.. وكلُّ دمعةٍ تسيلُ بغيرِ العربية؛ هي إعصارٌ يكتبُ كربلاء من جديد.
الراوي يُنهي حديثه، لكن صوته لا يموت، لأنّ كل من يروي الحسين بلغته… يصبحُ راويًا آخر.

images.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!