في سبعينياتِ القرنِ الماضي كانَ العراقيونَ يتابعونَ بشغفِ الأفلامَ المصريةَ القديمةَ بالأبيضِ والأسود - خصوصا- تلكَ التي جمعتْ الممثلين: (فريدْ شوقي ومحمودْ المليجي) في صراعِ بينَ الخيرِ والشرِ كانتْ تلكَ الأفلامِ تعرضَ أسبوعيا وتحظى بشعبيةٍ كبيرة، ويجتمعَ الناسُ لمشاهدةِ انتصارِ الأول، وتمثيلهُ للحقِ مقابلَ دورِ الثاني الشرير، لاحقا أعادَ الفنانُ (أحمدْ مكي) تقديمَ نموذجِ " القوى أوْ الكبيرِ " بأسلوبٍ كوميديٍ في مسلسلِ " الكبيرِ "، حيثُ جسدَ شخصيةَ العمدةِ الصعيديّ الذي يحاولُ فرضَ أفكارهِ الحديثةِ على أهلٍ قرأتهُ ويدخل في مواقفَ طريفةٍ بدلَ الصراعاتِ العنيفة، فكليهما تمثلُ القوةُ والكبيرُ في موقعهِ ومكانته.
وأنا أسترجع، تلكَ الأفلامِ والمسلسلاتِ وأقارنها، بما يجري اليومَ في عالمِ السياسة، يبدو لي أنَ التعاملَ معَ " الكبارِ والأقوياءِ " يشبهُ تماما ما كنا نراهُ على الشاشة؛ فالكبيرُ والقويُ يبقى كبيرٌ بنفوذهِ ومالهِ وسلطتهِ وقوته، وبقدرتهِ على فرضِ إرادتهِ على الآخرين، المتمثلَ حاليا ببعضِ الدولِ الكبرى، أما الضعيف، المتمثل، بالدولِ النامية، أوْ ما يسمى بالعالمِ الثالث، فإنَ تعاملها معَ تلكَ الدول، بحاجةِ إلى مهارةٍ خاصةٍ وحنكةِ سياسية، وأحيانا قدرُ منْ المجاملةِ المفرطة، حفاظا على مصالحِ شعوبها. ولذلك، قدْ تجدُ بعضَ الدولِ أوْ الأنظمةِ الحاكمةِ مضطرةً إلى تقديمِ تنازلات، أوْ ما يشبهُ الرشى في صورةِ هدايا واستثماراتِ متنوعة، حتى لا تغضبُ " الأسدَ المتعطشَ للدماءِ ". بلْ وقدْ تجبر، لا مخيرة، على التراجعِ عنْ بعضِ المبادئِ التي تؤمنُ بها أوْ التغاضي عنها، إذا اقتضتْ الضرورةُ ذلك.
وهذا ما يذكرنا بقرارِ التأميمِ العراقيِ الذي قامتْ بهِ الحكومةُ العراقيةُ في الأولِ منْ حزيرانَ عامَ 1972، عندما كنا ما نزالُ في سنِ الشبابِ المبكر، إذ؛ خرجَ الشعبُ العراقيُ بأكملهِ إلى الشوارع، يهتفَ بحماسِ تأييدٍ لقرارِ التأميمِ ضدَ الشركاتِ النفطيةِ الأجنبيةِ التابعةِ للدولِ الكبرى. اعتقدنا يومها، أنهُ إنجازٌ قومي، سيمنحُ شعبنا رخاءً اقتصاديا وأمانا مستقبليا، دونُ أنْ ندركَ ما كانتْ تخبئهُ الأيامُ منْ أحقادٍ لدى تلكَ الشركاتِ ضدَ بلدنا وشعبنا، غيرَ ملتفتينَ إلى المثلِ العراقيِ القائل- ألفُ صديقٍ ولا عدو واحد- .
لقدْ حذرَ كثيرٌ منْ المتخصصينَ في الشأنِ السياسيِ آنذاكَ منْ عواقبَ ذلكَ القرار، مذكرينَ بما جرى لثورةِ مصدقٍ في إيران عقبَ قرارِ التأميم. ولمْ تمضِ سنواتٌ طويلة، حتى بدأتْ تلكَ الشركاتِ الأجنبيةِ تخططُ للردِ الكبير، عبرَ دفعِ الساسةِ في العراقِ نحوَ صراعاتٍ داخليةٍ وخارجية، التهمتْ الأخضرَ واليابس، لتتوالى الأزماتِ والحروبَ الواحدةَ تلوَ الأخرى. في عالمِ اليوم، الذي تتراكمُ فيهِ طبقاتُ الضباب، لا ينبغي لنا أنْ نقطعَ شعرةُ معاوية في علاقاتنا الدولية، فالمصالحُ كثيرا ما تتقدمُ على المبادئ. فهتافاتُ الفقراءُ ضدَ القوى الكبرى لا تطعمُ أبنائهمْ ولا تؤمنُ لهمْ أبسطَ احتياجاتهم.
أما السياسةُ الرشيدةُ، فأساسها التوازن والمرونةِ والابتعادِ عنْ خلقِ عداواتٍ مطلقة، معَ الحفاظِ على مسافةٍ واحدةٍ منْ الجميع. أنَ مقتضياتِ المصلحةِ الوطنية، تحتمَ على الدولِ اتباعَ نهجِ بناءٍ في التعاملِ معَ القوى الكبرى والمؤثرةِ في القرارِ العالمي، بما يضمنُ خدمةَ شعوبها. ولمْ يعدْ مجديا دفعَ الفقراءِ إلى الشوارعِ ورفعِ الشعاراتِ التي تجاوزها الزمنُ باسمِ القيمِ والمبادئ، خاصةٌ بعدَ أنْ تخلتْ عنها أممٌ كثيرةٌ ، واستبدلتها بالبراغماتيةِ والنفاقِ السياسي.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!