كنَّا قد تطرقنا في الجزء الأول إلى الفقرة الأولى المتعلقة بالإجابة عن السؤال الآتي : هل كان وجود بعثة الأمم المتحدة في العراق يعدُّ بمثابة الوصاية الدولية أو الرقابة عليه ؟ وهل يخلُّ هذا الوجود بسيادة العراق ؟
ولقد تجلَّى أنَّ هذا الوجود لا يمثِّل وصايةً دوليةً على العراق ولا رقابةً عليه، وأنَّ هذا الوجود لا يخلُّ بالسيادة. وتأكيداً لهذا المعنى من وجهة نظر القانون الدولي سننتقل الآن للبحث في الفقرة الثانية المتعلقة بالتمييز بين الوصاية الدولية والرقابة وطبيعة عمل بعثة الأمم المتحدة.
الفقرة الثانية : التمييز بين الوصاية الدولية والرقابة وعمل بعثة الأمم المتحدة :
أولاً : تمييز عمل بعثة الأمم المتحدة -يونامي- من نظام الوصاية الدولية :
أ-لا بدَّ من الإشارة ابتداءً إلى أنَّ (نظام الوصاية الدولي trusteeship system) قد أنشأته الأمم المتحدة بمقتضى الفصل (12) من ميثاق الأمم المتحدة (المواد 75–85 ) للإشراف على أقاليم ليست مستقلةً وإدارتها ؛ بغية العمل على تطويرها نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال وضمان احترام حقوق الشعب في هذه الأقاليم (المادة 75 من الميثاق).ولقد كان هذا النظام امتداداً وتطويراً لنظام الانتداب الذي أنشأته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الصدد يُلاحظ أنَّ بعثة الأمم المتحدة في العراق -يونامي- لم تنشأ كأداةٍ قسرية، بل هي بعثة مساعدةٍ ذات طبيعةٍ سلميةٍ توافقية، وهي لا تعمل على وفق أحكام الفصل (12) من الميثاق ولا الفصل (7).
ب-بمقتضى المادة (77) من ميثاق الأمم المتحدة يسري نظام الوصاية على الأقاليم الآتية :
١-الأقاليم المشمولة -في ذلك الحين- بالانتداب.
٢-الأقاليم التي قد تُقتطع من دول الأعداء نتيجةً للحرب العالمية الثانية.
٣-الأقاليم التي تضعها في الوصاية بمحض اختيارها دولٌ مسؤولةٌ عن إدارتها.
وليس بخافٍ أنَّ كل ذلك لا ينطبق على العراق في أثناء عمل بعثة الأمم المتحدة.
ج-بمقتضى المادة (78) من الميثاق ((لا يُطبق نظام الوصاية على الأقاليم التي أصبحت أعضاءً في هيئة الأمم المتحدة، إذ العلاقات بين أعضاء هذه الهيئة يجب أن تقوم على احترام مبدأ المساوة في السيادة)).
وغنيٌ عن البيان أنَّ العراق من مؤسِّسي هيئة الأمم المتحدة، وليس عضواً فيها فحسب، فكيف يكون تحت وصايتها مع هذا النص القطعي في الميثاق.
د-من الثابت في القانون الدولي أنَّ الوصاية أو الإدارة الدولية تفترض العناصر الآتية :
١- إدارةٌ مباشرةٌ، وتقييدٌ أو تعليق السيادة الوطنية.
٢- نقل صلاحيات الحكم إلى جهةٍ دوليةٍ.
٣- امتلاك سلطةٍ إلزاميةٍ داخل الدولة المعنية.
وهذا ما حدث في بعض الأمثلة الدولية، مثل تيمور الشرقية وكوسوفو وبعض أقاليم إفريقيا وجزر المحيط الهادئ. في حين إنَّ العناصر المذكورة آنفاً لم تتحقَّق إطلاقاً في حالة العراق بعد عام 2004. فبعثة يونامي في العراق لم تصدر قراراتٍ ملزمةً ولم تقم بإدارة مؤسسات الدولة ولم تحل محل السلطات الوطنية ولم تفرض سياساتٍ تنفيذيةً معينةً أو تسن تشريعاتٍ معينةً.
هـ- وفضلاً عن كل ما تقدَّم، تجدر الإشارة إلى أنَّ الغالبية ربما لم ينتبهوا، بل لعلهم لم يعرفوا، أنَّ نظام الوصاية الدولي –المشار إليه آنفاً- قد انتهى من الناحية العملية، ولم يعد له وجودٌ حالياً. وذلك بعد خروج آخر إقليم من هذا النظام،وهو إقليم (بالاو palau) في عام 1994حينما أعلن استقلاله وانضمامه إلى الأمم المتحدة.وهو ما أفضى بالمحصّلة إلى قيام مجلس الوصاية بتعليق أعماله في الأول من تشرين الثاني 1994.
و-وإتماماً لما ورد في (هـ) أعلاه فقد انتهى أيضاً ما يُعرف بـ(مجلس الوصاية)، وهو المجلس الذي تولى الفصل (13) من ميثاق الأمم المتحدة تنظيمه لينهض بمهمة الإشراف على إدارة الأقاليم "ناقصة السيادة" الموضوعة تحت نظام الوصاية الدولي بمقتضى الفصل (12) من الميثاق. فلم يعد لهذا المجلس ولا لنظام الوصاية من وجودٍ سوى في النصوص التي أشبه ما تكون حبراً على ورق لانتهاء غايتها. وهذا ما يُشار إليه صراحةً في الموقع الرسمي للأمم المتحدة،إذ يُلاحظ أنه يُعلن عن تعليق عمل مجلس الوصاية الدولي كما يُعلن عن انتهاء نظام (الوصاية الدولية) منذ 1994. فكيف يمكن أن يكون العراق تحت الوصاية مع أنَّ هذا النظام قد ولَّى ولم يعد له من وجودٍ منذ 1994!!
ز-ولعلَّ البعض يثيرُ إشكالاً مفاده أنَّ بعثة يونامي كانت تلتزم بتقديم تقارير دورية إلى الأمم المتحدة، وهو ما يؤكد خضوع العراق للوصاية ؟
ومع أنَّ الإجابة قد تجلَّت مما سلف، وأننا سنتحدث عن هذه التقارير لاحقاً في الجزء الثالث عند البحث في التمييز بين الرقابة الدولية وعمل بعثة الأمم المتحدة، بيد أنَّ ذلك لا يمنع من الإشارة بإيجازٍ إلى أنَّ تقديم بعثة يونامي تقارير دورية، والتي تُعرف بـ(تقارير الإحاطة)،لا يسلب العراق سيادته ولا يؤثر في مركزه القانوني الدولي البتة، بل هي بمثابة إحاطة الأمم المتحدة بمدى التقدم الذي يحرزه العراق في مجالاتٍ متعددة، وإنَّ هذه التقارير بغالبها كانت بمثابة الدعم والإسناد للعراق في المحفل الدولي وليس للنيل من سيادته. فالأمم المتحدة تعهدت بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي بتقديم المساعدة للعراق في مجالاتٍ متعددة –كما ذكرنا ذلك بالتفصيل في الجزء الأول- لذا فهي ملتزمةٌ بإشعار مجلس الأمن بالتقدم المحرز في هذا الميدان. هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ ثانية إنَّ هذه التقارير ليست ملزمةً للعراق من الناحية القانونية الدولية، فهي بمنزلة التوصيات التي ليس فيها إلزامٌ –كما سيتضح لاحقاً-. ومن جهةٍ ثالثةٍ لا يُشرف مجلس الوصاية على هذه التقارير،كما كان يفعل في التقارير المقدمة عن الأقاليم الواقعة تحت الوصاية ؛ لأنَّ العراق ليس خاضعاً لهذه الوصاية من ناحيةٍ ولأنَّ المجلس منتهٍ عملياً لا وجود له من ناحيةٍ أخرى.
وسنكمل الحديث في الجزء الثالث إن شاء الله لبيان الفرق بين عمل بعثة الأمم المتحدة والرقابة الدولية.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!