كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ابن الرومي وغدير خم

ابن الرومي وغدير خم

 يمثل شعر ابن الرومي قمة الصياغة البلاغية والعاطفة الصادقة؛ إذ امتاز بدقة التصوير وعمق الفكر ورهافة الإحساس.

والنص الذي بين أيدينا نموذج رفيع من شعره والذي يعبر فيه عن حبه وولائه للإمام علي بن أبي طالب "عليه السلام"، مستعرضا فضائله ومناقبه ومواقفه المشرقة، في نفَسٍ إيماني يفيض بالعاطفة الصادقة واليقين العميق.
ينطلق ابن الرومي من موقف فكري وروحي وعقائدي، يرى أن الحب الحقيقي ليس عشق النساء، إنما الحب لمن أمر الله بحبه لفضله ومقامه، فيرفع محبوبه إلى المنزلة التي أعطاها الله سبحانه له، مرتبة الأنوار السماوية، مشبهًا إياه بالسراج المستنير والشمس في سموها.
 ومن خلال هذا النص جسد الشاعر نزعة الولاء والوفاء التي تميزت بالصدق العاطفي، والصور البلاغية المتألقة، والاستشهاد الديني بحديث الغدير، ليجعل من شعره وثيقة فنية وإيمانية تعبر عن رؤيته للفضيلة وللقيادة الروحية.

يا هـــــند لم أعشق ومثلي لا يرى *
                     عــشق النســـــاء ديانـــة وتحرجا
لكـــــن حـــــبي للوصي مخـــــيـــم *
                     
                    في الصدر يسرح في الفؤاد تولجا
فهـــــو السراج المستنير ومن به *
                   سبـــب النجاة من العذاب لمن نجا
وإذا تـــــركت له المحــــبة لم أجد *
                 يـــــوم القــيامة من ذنوبي مخرجا
قـــــل لي: أأتــرك مستقيم طريقه * 
                  جهــلا وأتبع الطريق الأعوجا؟!؟!
وأراه كـــــالتبر المصفـــى جوهرا * 
                   وأرى ســـــواه لناقديـــــه مبهرجا
ومحـــــله من كـــــل فضـــــل بـين *
                   عــــال محل الشمس أو بدر الدجا
قـــــال النـــــبي لــــه مقالا لم يكن * 
                   يــوم (الغدير) لسامعيه ممجمجا
مـــــن كنت مــــولاه فذا مولى له * 
                  مثـــــلي وأصبح بالفخــــار متوجا
وكذاك إذ منـــــع البـــتول جماعة *
                 خـــــطبوا وأكـــــرمه بهـا إذ زوجا
ولـــــه عجــــائب يوم سار بجيشه * 
                  يـــــبغي لقصر النهروان المخرجا
ردت عــــليه الشمس بعد غروبها *
                       بـــــيضاء تلمــع وقدة وتأججا

يعد أبو الحسن علي بن عباس بن جريح مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر البغدادي الشهير بابن الرومي مفخرة من مفاخر شعراء الشيعة، وعبقري من عباقرة الأمة، فهو أحد أبرز شعراء العصر العباسي وأكثرهم تميزا في الصدق الفني والتصوير الدقيق.
ينتمي النص إلى المدرسة الإيمانية التي تمزج بين العقيدة والعاطفة والبيان الشعري، ويتناول الشاعر فيه نفي العشق العاطفي للنساء، مؤكدا حبه وولاءه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام"، جاعلا هذا الحب عقيدة راسخة.
النص زاخر بالألفاظ ذات الطابع الديني والنوراني: (الوصي، السراج، النجاة، يوم القيامة، المحبة، الغدير، البتول، الشمس)
وهي كلمات تحمل ظلال القداسة والعقيدة، والجمل فخمة متوازنة، يغلب عليها الإيقاع الكلاسيكي الذي يليق بالشعر العمودي.
واعتمد الشاعر على التكرار البنيوي والتناص الروائي (كقوله: وأراه… وأرى سواه، من كنت مولاه… فذا مولى له) لترسيخ المعنى العقدي.
كما استخدم أساليب الاستفهام والإنكار في قوله:
قل لي: أأترك مستقيم طريقه * جهلًا وأتبع الطريق الأعوجا؟
لتقرير العقيدة بأسلوب جدلي عقلي، والجمل الخبرية في النص متينة

وأراه كالتبر المصفى جوهرا
تشبيه بليغ حيث شبه الشاعر الإمام عليا بالتبر المصفى (الذهب الخالص) للدلالة على النقاء المطلق.
فهو السراج المستنير
جعل الإمام كالسراج الذي يضيء طريق الهداية، وهذه استعارة مفعمة بالضوء الروحي.

ومحـــــله من كـــــل فضـــــل بـين * 
                   عــــال محل الشمس أو بدر الدجا
كناية عن علو قدر الإمام عند الله في المنزلة والعلم والشجاعة والفضائل؛ إذ لا يدرك علو الشمس والبدر.

ونجد الطباق بين (مستقيم / أعوج) يمنح البيت حيوية عقلية بين الحق والباطل.
والمقابلة بين (التبر المصفى / سواه المبهرج) تبرز الفرق بين الجوهر الحقيقي والمظاهر الخادعة.

البحر الذي صيغ عليه النص هو بحر الكامل، وهو ذو موسيقى مهيبة، يمنح النص طاقة تعبيرية عالية، وقد استخدمه الشاعر بإتقان منح النص جرسا قويا يناسب عظمة الموضوع.
بقافية المتداركة، جيمية، مطلقة "منصوبة"
النص في جوهره قصيدة ولائية إيمانية، يعبر فيها الشاعر عن عقيدته وولائه لأمير المؤمنين علي "عليه السلام" بوصفه امتدادا لرسالة النبي "صلى الله عليه وآله".
لكن حبي للوصي مخيم * في الصدر يسرح في الفؤاد تولجا
الحب هنا مرتكز إلهي ديني عبادي، عبر عنه بالمخيم (الثابت المقيم)، وجعله يسري في الفؤاد كما يسري النور في القلب.
فهو السراج المستنير ومن به * سبب النجاة من العذاب لمن نجا
البيت يستند إلى العقيدة الحقة، وأن الولاية لأمير المؤمنين "عليه السلام" شرط قبول الإيمان والعمل.
قال النبي له مقالا لم يكن * يوم الغدير لسامعيه ممجمجا
تناص وإشارة صريحة إلى حديث الغدير المروي عند الفريقين، وتأكيدا للنصّ النبوي على الولاية:
"من كنت مولاه فهذا علي مولاه".
وكذاك إذ منع البتول جماعة * خطبوا وأكرمه بها إذ زوجا
إشارة إلى تزويج فاطمة بعلي بأمر سماوي.
ردت عليه الشمس بعد غروبها
إشارة إلى معجزة رد الشمس لعلي "عليه السلام"، وهي رواية مشهورة في كتب الحديث والآثار، تمثل كرامة خاصة بالإمام.

النص يمزج بين التاريخ المقدس (الغدير – الزواج – المعجزة) في بناء ملحمة ولائية متصاعدة من الحب الفردي إلى الإقرار الولائي إلى المعجز الإلـٰهي.

النص لوحة ولائية متكاملة، يجتمع فيها الجانب اللغوي، بفخامة البيان وصفاء التراكيب، والجانب البلاغي، بالاستعارات النورانية والتشبيهات الذهبية، والجانب العقدي بالتركيز على الولاية كجوهر الدين وسبيل النجاة، والجانب التاريخي باستحضار الأحداث المواكبة لعصر النبوة والإمامة.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!