كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

خبر بلا صور… وسيناريو بلا بيان

خبر بلا صور… وسيناريو بلا بيان

 ما يلفت الانتباه أولاً أن الزيارة لم تُرفق بصور رسمية، ولا بتصريحات، ولا حتى بتسريبات “مُدارة” على طريقة السياسة الحديثة. غياب التوثيق هنا ليس تفصيلاً؛ بل قد يكون الرسالة نفسها.

فالزيارات التي تُراد لها الرمزية تُصوَّر، وتُعلن، وتُستهلك إعلامياً.
أما الزيارات التي تُدار في الظل، فغالباً ما تكون جسّ نبض، أو اختبار مسار، أو ترتيب أوراق لما بعد الإعلان.
لماذا الآن؟
السؤال المركزي ليس: هل حصلت الزيارة؟
بل: لماذا حصلت الآن؟
التوقيت يتزامن مع:
اقتراب استحقاقات سياسية حساسة في العراق (انتخاب رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة).
تصاعد الحديث عن “إعادة تدوير” شخصيات ورموز من أنظمة سابقة بصيغ جديدة.
حراك إقليمي يعيد ترتيب موازين القوى، ويبحث عن أوراق ضغط بديلة في الساحة العراقية.
في مثل هذه اللحظات، لا تُستدعى الأسماء عبثاً.
استدعاء الذاكرة… لا الحنين
رغد صدام حسين ليست فاعلاً سياسياً تقليدياً، لكنها رمز مُعلّق في ذاكرة صدامية لم تُدفن بالكامل.
واستخدام الرموز في السياسة لا يعني بالضرورة إعادتها إلى الحكم، بل قد يعني:
تحريك قاعدة نفسية واجتماعية ناقمة.
التشويش على المشهد الانتخابي.
خلق ورقة ضغط أو مساومة إقليمية.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
هل نحن أمام محاولة إعداد سيناريو شبيه بسيناريو نجل شاه إيران قبيل إعادة هندسة السلطة؟
تشابه السيناريوهات… واختلاف البيئات
صحيح أن المقارنة مع سيناريو “ابن شاه إيران” مغرية، لكنها ليست متطابقة.
إيران ما قبل الثورة كانت دولة مركزية بمرجعية واحدة، أما العراق اليوم فهو:
دولة متعددة المراكز.
محكوم بتوازنات داخلية معقدة.
محروس بذاكرة جماعية دفعت أثماناً باهظة.
لكن التشابه يكمن في المنهج لا النتيجة:
استخدام الرمز المنفي، الخارج من الظل، لإعادة خلط الأوراق، لا لإعادته بالضرورة إلى الواجهة.
لماذا سوريا؟ ولماذا الجولاني؟
اللقاء المزعوم مع أحمد الشرع يفتح باباً آخر للتأويل.
فسوريا اليوم ليست مجرد جغرافيا، بل ساحة تقاطع رسائل إقليمية.
والجولاني، مهما اختلفت القراءات حوله، أصبح رقماً يُستخدم في معادلات غير تقليدية.
هل اللقاء:
رسالة مزدوجة باتجاه أكثر من طرف؟
محاولة ربط شبكات قديمة بجبهات جديدة؟
أم مجرد تسويق إعلامي مبالغ فيه لحدث محدود الأثر؟
كل الاحتمالات واردة… لكن المؤكد أن اختيار المكان والشخص لم يكن بريئاً.
العراق ليس ساحة تجارب
مهما كانت السيناريوهات التي تُطبخ في الغرف المغلقة، يبقى العراق حالة مختلفة.
فالشارع الذي جرّب الاستبداد، والحروب، والحصار، والاحتلال، أكثر حساسية تجاه إعادة إنتاج الوجوه والرموز.
وقد تكون مثل هذه التحركات:
محاولة اختبار رد الفعل.
أو ورقة ضغط تفاوضية.
أو مجرد “فقاعة سياسية” ستنفجر قبل أن تبلغ السطح.
والخلاصة:
الخبر، إن صحّ، لا يعني بالضرورة مشروع عودة، لكنه بالتأكيد ليس زيارة سياحية.
نحن أمام حركة في الظل، تُقرأ ضمن سياق إقليمي معقّد، ومحاولة لاختبار الذاكرة العراقية:
هل ما زالت قابلة للاستدعاء؟
أم أنها تجاوزت الرموز، مهما كانت أسماؤها؟
الأيام القادمة وحدها ستُثبت:
هل كانت الزيارة بروفة سيناريو…
أم مجرد خبرٍ أُريد له أن يُقلق، لا أن يُنفَّذ.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!