كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

فلسفة السقوط حين يصبح التلقي جريمة !!

فلسفة السقوط حين يصبح التلقي جريمة !!



لم يعد ما نعيشه مجرد انحدار عابر في الذوق ، او خلل مؤقت في السلوك ، بل هو تحول عميق في الوعي الجمعي حيث اصبح الوجع مادة يومية للتداول ، واصبح الفضول وقودا لانتشار الخراب حتى غدت المأساة خبرا عاديا والدم مشهدا متداولا بلا ارتعاش .

اصبح جزء كبير من المجتمع يبحث عن الفضيحة بشغف يفوق شغف صناع السينما بالحبكة والاثارة يلاحق التفاصيل الدقيقة يعيد نشرها ويزينها بالتعليقات ، غير مدرك ان خلف كل قصة بيتا تهدم ونفسا انكسرت ، واطفالا سيكبرون وهم محاطون بذكريات لا ذنب لهم فيها ، وكأن الانسان تخلى عن حسه الاخلاقي واستبدله بلذة الاكتشاف ولو كان ثمنه كرامة الاخرين .

الاخطر ان المشهد لم يعد مقتصرا على فضائح اخلاقية ، بل تمدد الى جرائم مروعة لم نكن نسمع بها سابقا ، جرائم تهز الفطرة قبل القانون ابن يقتل اباه زوج يفني اسرة كاملة ، وزوجة تمارس انتقاما وحشيا ، ثم يتحول كل ذلك الى مادة استهلاك سريع يتداولها الناس ببرود غريب وكأن العنف لم يعد صدمة بل اصبح جزءا من الروتين اليومي .

مواقع التواصل ليست بريئة وليست مذنبة بالكامل ، لكنها المرآة التي كشفت ما في الداخل ووسعت رقعة التأثير فبدل ان تكون وسيلة للتنوير اصبحت اداة لتطبيع القسوة وتكريس الرداءة ، سرقت منا الوقت والحياء وحولت الانسان من متألم الى متفرج ، ومن رافض الى مساهم بالصمت او بالنشر .

السؤال الحقيقي هل الحكومة مسؤولة ؟ بل لماذا نصر على اعفاء انفسنا من المسؤولية ؟ نعم للدولة دور في التشريع والردع لكن الانسان هو الفاعل الاول حين يقرر ان يشارك او يمتنع ان يربي او يهمل ان يحمي عائلته ، او يفتح لها ابواب الفوضى عبر شاشة صغيرة تحمل سموم العالم كله .

حين ننسى ان اطفالنا يسمعون ويرون ، ويتشكل وعيهم من هذه الفوضى فنحن نزرع فيهم الخوف او البلادة ، وحين نبرر النشر بالفضول او الوعي فنحن نمارس خداعا اخلاقيا ، لان الوعي لا يولد من التشهير ولا من اعادة انتاج الجريمة .

الخلاص لا يكون بالمنع وحده بل بالوعي وبالتهميش المقصود لهذه الممارسات وبالارشاد والنصح وبالعقاب حين يلزم الامر قبل ان نصحو يوما لنكتشف اننا خسرنا قيمنا واننا كنا شركاء في السقوط .

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!