كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

علاقة اطعام المساكين والصيام عند العلامة الطباطبائي في الميزان

علاقة اطعام المساكين والصيام عند العلامة الطباطبائي في الميزان
 جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (المائدة 89) قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ (المائدة 89) إلى قوله أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (المائدة 89)، الكفارة هي العمل الذي يستر به مساءة المعصية بوجه، من الكفر بمعنى الستر، قال تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ (النساء 31)، قال الراغب: والكفارة ما يغطي الإثم ومنه كفارة اليمين، انتهى. وقوله: فَكَفَّارَتُهُ تفريع على اليمين باعتبار مقدر هو نحو من قولنا: فإن حنثتم فكفارته كذا، وذلك لأن في لفظ الكفارة دلالة على معصية تتعلق به الكفارة، وليست هذه المعصية هي نفس اليمين، ولو كان كذلك لم يورد في ذيل الآية قوله: وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ إذ لا معنى لحفظ ما فيه معصية فالكفارة إنما تتعلق بحنث اليمين لا بنفسها. ومنه يظهر أن المؤاخذة المذكورة في قوله: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ هي المؤاخذة على حنث اليمين لا على نفس إيقاعها، وإنما أضيفت إلى اليمين لتعلق متعلقها أعني الحنث بها، فقوله: فَكَفَّارَتُهُ متفرع على الحنث المقدر لدلالة قوله: يُؤاخِذُكُمُ، إلخ، عليه، ونظير هذا البيان جار في قوله: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ (المائدة 89) وتقديره: إذا حلفتم وحنثتم. وقوله: إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (المائدة 89) خصال ثلاث يدل الترديد على تعيين إحداها عند الحنث من غير جمع، ويدل قوله بعده: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (المائدة 89) على كون الخصال المذكورة تخييرية من غير لزوم مراعاة الترتيب الواقع بينها في الذكر، وإلا لغا التفريع في قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلخ، وكان المتعين بحسب اقتضاء السياق أن يقال: أو صيام ثلاثة أيام. وفي الآية أبحاث فرعية كثيرة مرجعها علم الفقه. قوله تعالى: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ (المائدة 89) تقدم أن الكلام في تقدير: إذا حلفتم وحنثتم، وفي قوله: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ وكذا في قوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ نوع التفات ورجوع من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله، ولعل النكتة فيه أن الجملتين جميعا من البيان الإلهي للناس إنما هو بوساطة النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله فكان في ذلك حفظا لمقامه صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله في بيان ما أوحي إليه للناس كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النحل 44).

ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي قائلا: قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ (المائدة 89) اللغو ما لا يترتب عليه أثر من الأعمال، والأيمان جمع يمين وهو القسم والحلف ؛ قال الراغب في المفردات: واليمين في الحلف مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره، قال تعالى:أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ (القلم 39)، وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ (الأنعام 109)، لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ (المائدة 89) انتهى، والتعقيد مبالغة في العقد وقرئ: عقدتم بالتخفيف، وقوله: فِي أَيْمانِكُمْ متعلق بقوله: لا يُؤاخِذُكُمُ أو بقوله: بِاللَّغْوِ وهو أقرب. والتقابل الواقع بين قوله: بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ (المائدة 89) وقوله: بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ يعطي أن المراد باللغو في الأيمان ما لا يعقد عليه الحالف، وإنما يجري على لسانه جريا لعادة اعتادها أو لغيرها وهو قولهم ـ وخاصة في قبيل البيع والشري: لا والله، بلى والله، بخلاف ما عقد عليه عقدا بالالتزام بفعل أو ترك كقول القائل: والله لأفعلن كذا، وو الله لأتركن كذا. هذا هو الظاهر من الآية، ولا ينافي ذلك أن يعد شرعا قول القائل: والله لأفعلن المحرم الفلاني، والله لأتركن الواجب الفلاني مثلا من لغو اليمين لكون الشارع ألغى اليمين فيما لا رجحان فيه، فإنما هو إلحاق من جهة السنة، وليس من الواجب أن يدل القرآن على خصوص كل ما ثبت بالسنة بخصوصه. وأما قوله: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ (المائدة 89) فلا يشمل إلا اليمين الممضاة شرعا لمكان قوله في ذيل الآية: وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ (المائدة 89) فإنه لا مناص عن شموله لهذه الأيمان بحسب إطلاق لفظه، ولا معنى للأمر بحفظ الأيمان التي ألغى الله سبحانه اعتبارها فالمتعين أن اللغو من الأيمان في الآية ما لا عقد فيه، وما عقد عليه هو اليمين الممضاة.

قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ إلى قوله أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، الكفارة هي العمل الذي يستر به مساءة المعصية بوجه، من الكفر بمعنى الستر، قال تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ( النساء 31 )، قال الراغب: والكفارة ما يغطي الإثم ومنه كفارة اليمين، انتهى. وقوله: فَكَفَّارَتُهُ تفريع على اليمين باعتبار مقدر هو نحو من قولنا: فإن حنثتم فكفارته كذا، وذلك لأن في لفظ الكفارة دلالة على معصية تتعلق به الكفارة، وليست هذه المعصية هي نفس اليمين، ولو كان كذلك لم يورد في ذيل الآية قوله: وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ إذ لا معنى لحفظ ما فيه معصية فالكفارة إنما تتعلق بحنث اليمين لا بنفسها. ومنه يظهر أن المؤاخذة المذكورة في قوله: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ (المائدة 89) هي المؤاخذة على حنث اليمين لا على نفس إيقاعها، وإنما أضيفت إلى اليمين لتعلق متعلقها أعني الحنث بها، فقوله: فَكَفَّارَتُهُ متفرع على الحنث المقدر لدلالة قوله: يُؤاخِذُكُمُ (المائدة 89)، إلخ، عليه، ونظير هذا البيان جار في قوله: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ (المائدة 89) وتقديره: إذا حلفتم وحنثتم. وقوله: إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (المائدة 89) خصال ثلاث يدل الترديد على تعيين إحداها عند الحنث من غير جمع، ويدل قوله بعده: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (المائدة 89) على كون الخصال المذكورة تخييرية من غير لزوم مراعاة الترتيب الواقع بينها في الذكر، وإلا لغا التفريع في قوله: َمَنْ لَمْ يَجِدْ إلخ، وكان المتعين بحسب اقتضاء السياق أن يقال: أو صيام ثلاثة أيام. وفي الآية أبحاث فرعية كثيرة مرجعها علم الفقه. قوله تعالى: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ تقدم أن الكلام في تقدير: إذا حلفتم وحنثتم، وفي قوله: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ وكذا في قوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ نوع التفات ورجوع من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله، ولعل النكتة فيه أن الجملتين جميعا من البيان الإلهي للناس إنما هو بوساطة النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله فكان في ذلك حفظا لمقامه صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله في بيان ما أوحي إليه للناس كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( النحل 44). قوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي يبين لكم بواسطة نبيه أحكامه لعلكم تشكرونه بتعلمها والعمل بها.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!