كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مفاهيم تفسير القرآن الكريم عند أتباع أهل البيت

 جاء في شبكة المعارف الإسلامية الثقافية عن معنى التفسير: تطور علم التفسير: بدأ التفسير للآيات وبيان معاني ألفاظ القرآن الكريم منذ عصر الرسول صلى الله عليه وعلى آله فكان هو أول من أوضح مقاصده، وبعد أن ارتحل النبي صلى الله عليه وعلى آله، رجعت الشيعة إلى أهل بيته لما مرّ من حجية أقوالهم ولم يركنوا إلى ما روته الصحابة والتابعين الذين اعتمد أقوالهم بقية المسلمين، إلا ما ثبت أنه حديث نبوي. فكانت أوائل التفاسير عبارة عن أحاديث مأثورة عن النبي وأهل بيته وكان الذين يلونهم من المفسرين ينقلون ما أورده المفسرون الأوائل من روايات تفسير إلى عصر الشيخ الطوسي والشريف المرتضى ومن ثم الشيخ الحويزي والفيض الكاشاني فكان كل واحد منهم يطغى على تفسيره جانب معين كالأدب وعلم الكلام إلى أن أصبحت التفاسير تحوي علوماً عديدة ولا تقتصر على جانب معين. وما بأيدينا من تفاسير شاهد حيّ على اتساع أنماط التفسير وتشعب علومه. مناهج التفسير: قد ظهرت مناهج متعددة في تفسير القرآن الكريم عند المسلمين عامة نتيجة التحولات الفكرية التي شهدتها الأجيال اللاحقة ابتداءاً من القرن الثاني الهجري فصاعداً، وذلك مع شيوع المباحث الكلامية وانتشار الفلسفة وعلم التصوف وما سبق ذلك واكتنفه من ميول سلفية ظاهرية. كالتفسير بالمأثور والتفسير الفلسفي والتفسير الصوفي والتفسير الكلامي والتفسير البياني والتفسير اللغوي والتفسير التاريخي والتفسير العلمي. ومناهج التفسير التي ارتضاها العلماء في مدرسة الإمامية هي: 1 المنهج القرآني: وهو يتم من خلال مقابلة الاية بالاية، فما أجمل منها في مكان يتم تفسيره في مكان اخر. والقرآن كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض). وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله: (وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ولكن نزل يصدق بعضه بعضا). كما أن المعصومين عليهم السلام كانوا يستعملون هذا الأسلوب في استدلالاتهم واحتجاجاتهم وهاكم واحداً: في الكافي عن علي بن يقطين قال سأل المهدي أبا الحسن عليه السلام عن الخمر هل هي محرمة في كتاب اللَّه عزّ وجلّ فإن الناس إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون تحريمها فقال له أبو الحسن عليه السلام بل هي محرمة. فقال في أي موضع هي محرمة في كتاب اللَّه عزش وجل يا أبا الحسن؟ فقال عليه السلام: قول اللَّه تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (الاعراف 33). إلى أن قال فأما الإثم فإنها الخمر بعينها وقد قال اللَّه تعالى في موضع آخر: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا (البقرة 209). فأما الإثم في كتاب اللَّه فهي الخمر والميسر وإثمهما أكبر من نفعهما كما قال تعالى. ومن التفاسير التي اتبعت هذه المنهجية كتاب. 2 المنهج الروائي: وهو التفسير بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله والأئمة عليه السلام. والأحاديث هذه تبلغ الآلاف من طريق الشيعة وفيها مقدار كثير من الأحاديث التي يمكن الاعتماد عليها إلا إن هناك آيات لم يرد فيها حديث أصلاً لا من طريق السنّة ولا من طريق الشيعة. وينبغي الإلتفات إلى أنه ربما تشير الروايات إلى المصداق الأكمل والأصلي في تفسير الآية وهذا لا يمنع من تفسير الآية بطريقة أخرى توافق ظاهرها، وقد اشتهر بينهم أن المورد لا يخصص الوارد وذلك لأن القرآن يجري مجرى الليل والنهار والشمس والقمر، إلا أن تقوم قرينة قطعية على أن اية معينة قد انحصرت في موردها كما في آية إنما وليكم اللَّه (المائدة 55). ومن التفاسير التي اتبعت هذه المنهجية كتاب نور الثقلين. 3 المنهج اللغوي: وهو تفسير مفردات القرآن واشتقاقاتها وأصولها. كتفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي. وقد تباينت توجهات المفسرين واختلفت الجهات التي احتجوا بها، كالجهة البلاغية والفقهية والكلامية والفلسفية والأخلاقية. ويبقى سؤال أخير: هل نحن بحاجة إلى كل هذه التفاسير؟ يصف المولى سبحانه وتعالى كتابه العزيز (القرآن الكريم) بأنه نور مبين: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (النساء 174). كما يصفه بأنه تبيان لكل شي‏ء: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ (النمل 89). وقد أشار النبي صلى الله عليه وعلى آله والأئمة الأطهار عليه السلام إلى هذه الحقيقة بوضوح، فعن النبي صلى الله عليه وعلى آله: (إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع وماحل مصدق). وعنه أيضاً: (كتاب اللَّه تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطبق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض). وهو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله في قوله: (القرآن يفسر بعضه بعضاً). فإذا كان القرآن الكريم نوراً بذاته، وبياناً بذاته، فلا بد من أن يكون مستغنياً عن التفسير، لأن معنى التفسير في اللغة والاصطلاح هو الكشف والبيان، والقرآن نور وبيان بذاته، فلا يحتاج إلى تفسير. ويكون حينئذ بمتناول الجميع، وليس رهناً بأهل الفكر والعلم بحيث لا يكون لغيرهم حظ في الاستفادة منه وتدبّر معانيه؟ فما هو وجه الحاجة إلى التفسير؟ فيما يلي توضيح من خلال نقاط معنية بالإجابة عن السؤال الآنف.


القرآن مائدة لجميع الناس: القرآن الكريم كما تقدم واضح وميّسر للفهم وربما احتاج إلى تعليم بعض حدود الآية التي لم يذكرها اللَّه في الكتاب فأوكلها إلى نبيّه صلى الله عليه وعلى آله وإلا فإن القرآن في نفسه هو هدى ورحمة لكل العالمين وكل من كان أصفى فطرةً وأكثر فكراً وتدبراً فإنه يحظى بفهم أكبر ويكون القرآن شفاءً ومصححاً للآراء والأفكار التي يحملها. قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (الحشر 7). فالكلّ في معرض الاستفادة من القرآن الكريم لذلك تعددت الخطابات لطوائف خاصة كبني إسرائيل، أو المؤمنين، أو الكفار، وفي بعض الآيات يخاطب عامة الناس وبديهي أنه لا يصح التكلم بما لا مفهوم واضح عندهم. وأيضاً نجد حتى المعارف العالية يبثها القرآن بلغة يفهمها عامة الناس ويلقيها بشكل محسوس أو ما يقرب منه. وتبقى الحقائق المعنوية وراء ستار الظواهر فتتجلى حسب الأفهام ويدرك منها كل شخص بقدر عقله ومداركه. واحتواء القرآن على معانٍ دقيقة ومفاهيم رقيقة وذلك في مثل صفاته تعالى الجمالية والجلالية، ومعرفة وجود الإنسان وسرّ خلقته، ومسائل من المبدأ والمعاد، كل ذلك جاء في القرآن في إشارات عابرة وفي ألفاظ وتعابير كنائية واستعارة ومجاز، فكان حلها والكشف عن معانيها بحاجة إلى فقه ودراسة وتدبّر وإمعان نظر. كما أن في القرآن إشارات إلى أحاديث غابرة وأمم خالية، إلى جنب عادات جاهلية عارضها لم يبق منها سوى إشارات عابرة لولا الوقوف عليها لما أمكن فهم معاني تلكم الآيات. هذا مضافاً إلى غرائب اللغة التي جاءت في القرآن على أفصحها وأبلغها وإن كان صعباً فهمها على عامة الناس لولا الشرح والبيان وغير ذلك من الأمور التي استوجبت تفسيراً وكشفاً لما استتر ومزيداً لامعان نظر. إعداد النفس لحضور مائدة القرآن: تزكية النفس وتطهيرها من الأوساخ والأدران الخلقية هو شرط من شروط فهم القرآن، وأعظم هذه الأوساخ هي الأهواء النفسية، فما دام الإنسان أسيراً لأهوائه وغرائزه، فإنه لا يستطيع أن يدرك القرآن الذي هو نور. نعم، قد يتمكن مثل هذا الإنسان من فهم بعض ظواهر الألفاظ، ولكنه لن يصل إلى فهم مقاصده الأصلية ومراميه الكلية.


عن الشيعة والتفسير الروائي للشيخ علي أكبر بابائي: وهكذا ذكر الفيض الكاشاني على هامش قوله سبحانه وتعالى: أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ (يونس 91) روايةً عن جبرائيل يقول فيها: (لما غرق فرعون قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ (يونس 90)، فأخذتُ حمأةً فوضعتُها في فيه، ثم قلتُ له: أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ (يونس 91)، وعملت ذلك من غير أمر الله عزَّ وجلَّ). وهذه الرواية تتنافى مع الآية القائلة: لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (الأنبياء 27)، كما أنها لا تنسجم مع ظاهر قوله تعالى: أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ (يونس 91) لأن ظاهر هذه الآية أن هذا الجواب قد قاله اللهُ لفرعون، بينما هذه الرواية تنسب هذا الكلام إلى جبرئيل، وأنه قال هذا دون أن يأمره الله بذلك، في حين أن الفيض الكاشاني ترك هذا الكلام دون مناقشةٍ أو تعليق. في مورد الرواية التي فسَّرَتْ الصبر في قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ (البقرة 45) بالصيام اعتبر العلامة الطباطبائي هذا التفسير من قبيل (الجَرْي). وفي مورد الرواية التي فسَّرَتْ معاد في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد (القصص 85) بـ (الرجعة) قال: (ولعله من البطن، دون التفسير). وبعد ذلك قسَّم الروايات من ناحية الطرح والقبول إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: الروايات التي يجب القبول بها. وهي الروايات التي نقطع بصدورها عن النبيّ الأكرم' والأئمة الأطهار عليهم السلام. الثاني: الروايات التي يجب طرحها. وهي الروايات التي نقطع بمخالفتها للكتاب والسنّة القطعية. الثالث: الروايات التي لا يجب القبول بها، ولا رفضها. وهي الروايات التي لا يوجد دليلٌ عقلي على امتناعها وبطلانها، وفي الوقت نفسه لا يوجد في الكتاب والسنة القطعية ما يدلّ على امتناعها.


ويستطرد الشيخ علي أكبر بابائي قائلا: وفي بعض الموارد يستنبط من الروايات قاعدة وأصلاً للتفسير، ومن ذلك ـ على سبيل المثال: إنه في البحث الروائي الخاصّ بتفسير الآيات 108 ـ 115 من سورة البقرة أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) (البقرة 108-115)، بعد ذكر روايتين (الرواية الأولى تقول: (الرجل يصلي في يوم غيم في فلاةٍ من الأرض، ولا يعرف القبلة، فيصلي حتّى فرغ من صلاته بدَتْ له الشمس، فإذا هو صلّى لغير القبلة، يعتدّ بصلاته أم يعيدها؟ فكتب×: يعيد ما لم يفُتْ الوقت، أَوَلم يعلم أن الله يقول، وقوله الحق: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ (البقرة 115)؟، والأخرى تقول: (أنزل الله هذه الآية في التطوّع خاصّة)، قال العلامة الطباطبائي بعد ذلك: (واعلم أنك إذا تصفحت أخبار أئمة أهل البيت عليهم السلام حق التصفح، في موارد العام والخاص والمطلق والمقيِّد من القرآن، وجدتها كثيراً ما تستفيد من العام حكماً، و من الخاص أعني العامّ مع المخصِّص حكماً آخر. فمن العام مثلاً الاستحباب، كما هو الغالب، ومن الخاصّ الوجوب، وكذلك الحال في الكراهة والحرمة، وعلى هذا القياس. وهذا أحد أصول مفاتيح التفسير في الأخبار المنقولة عنهم، وعليه مدار جمٍّ غفير من أحاديثهم.

 

الحروف_المقطعة_في_القرآن.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!