كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

البسملة والاسم الأعظم

البسملة والاسم الأعظم

اسم الله الأعظم اسم من ثلاثة وسبعين حرفًا يستودعه الله عند خاصة أوليائه، وهو نور يقذفه في قلوب عباده المؤمنين الصادقين العارفين به، وذلك لا يكون إلا لمن بلغ ذروة من الكمال والترويض النفسي، فما علاقة البسملة بالاسم الأعظم؟
 نجيب أولًا... بإن الصفات تنقسم إلى فعلية وذاتية.
صفة الفعل يصح نفيها فنقول: (رزق ولم يرزق) وصفة الذات لا يمكن نفيها فنقول: (علم ولا نقول لم يعلم)، وكل الصفات الفعلية تندرج تحت اسم من الأسماء الذاتية، فعليم وقدير تندرج تحت اسم الحي، لإن الحي فلسفيًا يعرف بالدَّرَّاك الفعَّال، مدرك يعني عليم وفعال يعني قدير، فصار اسم الحي أعلى من اسم  العليم والقدير، وكل اسم فوقه اسم أعظم منه، كما يصح أن تضع كل اسم صفة لله ولكن لا يصح أن يكون اسم (الله) صفة لأحد الأسماء، فعلى المستوى اللفظي اسم (الله) بالنسبة للأسماء الحسنى هو اسم أعظم، وقد ورد (بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى الاسم الأعظم من بياض العين  إلى سوادها) وذلك لاشتمالها على هذا الاسم.
وهذا يقودنا إلى تساؤل آخر، هل الاسم اللفظي هو المؤثر أم الحقيقة هي المؤثرة؟
نحن نعلم أن لا مؤثر في الوجود إلا الله سبحانه وتعالى، فذاته وحقيقته هي المؤثرة وليس اسمه، هناك فرق بين الذات والاسم، فالأثر الخارجي يترتب على الاسم التكويني لا اللفظي. 
ومن هذا المنطلق نتساءل: هل هناك مظهر للاسم الأعظم في عالم الإمكان؟
نجيب بأن الله سبحانه واجب الوجود، خلق الكون الفسيح في أبدع صورة ممكنة، ولإن معرفة الله مستحيلة، لإنه لا محدود وكل ما عداه محدود، فقد أوجد الله سبحانه موجودات تكون مظهرًا لأسمائه الحسنى من ملائكته وأنبيائه وأوليائه الذين اصطفاهم، لنتعرف من خلالها عليه سبحانه.
قال تعالى (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) ملك الموت مظهرٌ لاسم من أسماء الله الحسنى وهو المميت، ونسأل أوليس الله سبحانه هو المميت أم ملك الموت؟
الله قطعًا هو المميت، ولكنه أعطى ملك الموت القدرة على أن يتوفى الأنفس فأصبح ملك الموت أيضًا مميتًا، لكن لا على نحو الاستقلال، بل بما وهبه اللهُ ومنحه. 
ومن هنا نسأل: من يمتلك الاسم الأعظم هل يفعل الشيء أم يدعو الله أن يفعله؟
 قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكيم). خليل الرحمن يعلم أن الله يحيي الموتى، ولكنه يريد أن يتصف بصفة الإحياء، وتكون له تلك القدرة والمرتبة العظيمة؛ فسأل ربه أن يكون محيي كما أن الله يحيي الموتى.
 من هذا المنطلق نذكر أن المعجزات التي جاء بها أنبياء الله إبراهيم وسليمان وعيسى هذه كلها مظاهر للأسماء الحسنى، كلما ترقى الأنبياء طلبوا المزيد من مراتب الكمال، بأن يكونوا هم بذواتهم الشريفة مظاهر لهذه الأسماء الإلهية، فالاسم الأعظم ليس مجرد ألفاظ وحروف وإنما يحكي حالة الانقطاع التام إلى الله سبحانه وتعالى، وقد جاء رجل يسأل النبي (ص) أن يعلمه الاسم الأعظم فقال له: (كل أسماء الله عظيمة ولكن فرغ قلبك عما سواه) وهذا ما يسمى بالولاية التكوينية: وهي القدرة على التصرف في الموجودات لا على نحو الاستقلال عن الله تعالى، وعُرّفت أيضًا: بأنها تصرف موجود في موجود لتسلطه وقدرته عليه، كإحياء الموتى ورد الشمس وشق القمر.
عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إن عيسى بن مريم عليه السلام أعطي حرفين كان يعمل بهما، وأعطي موسى أربعة أحرف، وأعطي إبراهيم ثمانية أحرف، وأعطي نوح خمسة عشر حرفًا، وأعطي آدم خمسة وعشرين حرفًا، وإن الله تعالى جمع ذلك كله لمحمد (صلى الله عليه وآله) وإن اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعون حرفًا، أعطى محمدًا (صلى الله عليه وآله) اثنين وسبعين حرفًا وحجب عنه حرف واحد) من هنا يتبين أن مظهر الاسم الأعظم في عالم الملكوت هو نور النبي وأهل بيته عليهم السلام أما في عالم الملك والمادة فيتمثل بالوجود البشري للنبي وأهل بيته "عليهم السلام".
وهنا نطرح سؤالًا أخيرًا: لماذا أعطى اللهُ نبيه الخاتم (٧٢) حرفًا واستأثر سبحانه بحرف واحد من (٧٣) لا يخرج منه إلا إليه سبحانه؟
 ونجيب إن هذا الحرف يمثل حيثية عدم التناهي في الكمالات الإلهية، والتي تتمثل في الوحدانية المطلقة غير المحدودة بحد، ومن هنا لا يمكن أن يكون المحدود (النبي الأكرم) مظهرًا تامًا للاسم الأعظم في عالم الإمكان لإنه محدود ولا يمكن أن يحيط باللا محدود (الله سبحانه) وإنما يمكن أن يكون مظهرًا على مقدار سعته الوجودية.
من هنا ينكشف لنا أن الاسم الأعظم الذي تترتب عليه الآثار ليس ألفاظًا وحروفًا فقط إنما هو يحكي حالة الانقطاع التام للخالق والتي تصل إلى حالة اليقين.
  
………………
سورة السجدة آية ١١ 
سورة البقرة آية٢٠٦
بحث في البسملة والاسم الأعظم للأستاذ محمد حسن الشبيب.
مركز الأبحاث العقائدية

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!