كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

عم النبي وأخوه

عم النبي وأخوه

بين الحق والباطل صولات وجولات، منذ بدء الخليقة وإلى آماد السنين مازال الباطل يتشدق بكل ماهو مشين، يواري سوءته ويلصقها بالصالحين، فيتهمهم بالكفر أو الزندقة تارة وبالجنون أخرى، لتبقى تلك الأفكار المسمومة عالقة في أذهان الأجيال يتوارثونها كما يتوارثون الذهب والفضة، ولكن الله سبحانه وتعالى يهيأ بفضله الأيادي البيضاء التي تزيح الغشاوة عن العيون، وتلتقط الجيد من الرديء، لتبث كرامات محمد وآله في مختلف الأصقاع.

من جملة ذلك ما يذكره التاريخ في بداية الدعوة الإسلامية حيث الصعاب التي واجهها النبي (ص)، ويبدو من ظاهر الحادثة المديح بينما ينطوي في باطنها الانتقاص، تدور أحداث القصة حول الفعلة الخسيسة التي قام بها أبو جهل حين أساء للنبي (ص) وشتمه، فعلم بطل قصتنا بذلك فتوجه مغضبًا إلى أبي جهل ورفع القوس فضربه فشجه شجة منكرة ثم قال: (أتشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقوله فردها علي إن استطعت)
ولما سأله رؤوس الشرك: هل صَبئت إلى دينه؟
أجاب: وما يمنعني، وقد استبان لي منه: أنه رسول الله، والذي يقول حق".
        إن المتتبع للسيرة العطرة والخاتمة الشريفة لهذا البطل الهاشمي الضرغام حمزة بن عبد المطلب (عليه السلام) يرجح إنه لم يشرك بالله طرفة عين وكان مؤمنًا موحدًا من أول عمره، والذين يذكرون تأخر إسلامه بعد البعثة بخمس أو ست سنين هم أيضًا من اتهموه بشرب الخمر بعد إسلامه وحاشاه.
       ومما يُعاضدُ قِدم وأصالة إسلامه وإيمانه أمور:
أولها: إن عُمْر الحمزة حين البعثة كان على الأقل ٤٢ سنة، أي سن الكمال والنضج والإدراك. وقد وُلد وتربى في بيت الإيمان والتوحيد - بيت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف من جهة، وأمه هالة بنت عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وهي إبنة عم آمنة بنت وهب أم النبي محمد (ص) من جهة أخرى.
كما قيل أنه أخو النبي (ص) من الرضاعة وأسن منه بسنتين أو أربع سنين.
       وأن طيب خاتمته منبيء عن طيب أوله، أما تلك الحادثة التأريخية فلا يعول عليها، إذ إن الحمزة يخبر عما كان عليه ولا زال عليه، وإنه كان ولا زال على دين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا إن هذه الاستبانة ابتدائية حادثة، وإلا فهل يعقل أن يبقى الحمزة (ع) ذو العقل الكامل وهو من أقرب الناس إلى رسول الله (ص) جاهلاً بحقيقة الرسالة المحمدية مصراً على الكفر لمدة خمس سنين واستبان له الحق بعد ذلك، فما الذي كان خافياً عليه من أمر الرسالة واستبان له ذلك اليوم؟

نعم ربما يكون كاتمًا لإيمانه لمصلحة الرسالة وأعلن إسلامه في ذلك اليوم عندما رأى حلول الوقت المناسب لذلك، أو بعد أن أذن له النبي صلى الله عليه وآله بذلك.

       ثانيهما: ما ورد فيه من الآيات والروايات وما تضمنته من مدح وثناء، تُقوّي طهارة أصله وسلامة عقيدته.
       فمن الآيات المؤولة في مولانا الحمزة (ع)

قوله تعالى ﴿منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾، وقد سُئل أمير المؤمنين (ع) وهو على منبر الكوفة عن هذه الآية فقال: "اللهم إغفر لي، هذه الآية نزلت في، وفي عمي حمزة، وفي ابن عمي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فأما عبيدة فقضى نحبه شهيدًا يوم بدر، وأما حمزة قضى نحبه شهيدًا يوم أحد، وأما أنا فأنتظر أشقى الأمة يخضب هذه من هذه".
وقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾
ورد في الكافي الشريف بسندٍ صحيح عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما‌ السلام: "وكان علي وحمزة وجعفر صلوات الله عليهم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله لا يستوون عند الله"

         أما الروايات فالملاحظ أن الحمزة (عليه السلام) كثيراً ما يُقرن بالإمام علي (عليه السلام) في الفضائل القرآنية والحديثية مما يدل على إنه تِلوُ المعصوم في المقام والكمال.
ففي أمالي الصدوق عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أحب إخواني إلي علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأحب أعمامي إلي حمزة"
وفي بصائر الدرجات عن مولانا أبي جعفر (عليه السلام) قال: "على قائمة العرش مكتوب: حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء"


        فسلام على سيد الشهداء الحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله الذي لم يشرك بالله طرفة عين

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!