كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

من الفكاهة إلى التكيّف

 
 
 

لا يولد التحوّل دومًا من خطابٍ صارخ…

أحيانًا، يبدأ بابتسامة.

ضحكة صغيرة، لا أكثر، تفتح فيك بابًا لا يغلق.

تخيّل أن تُخلع منك قناعة، ويُزرَع نقيضها… لا بالمنطق، بل بالمزاح.

أن تتحوّل خطوطك الحمراء إلى خطوط ضاحكة، مجرد "نكتة عابرة"… حتى تغدو عادة.

 

في علم النفس، لا شيء "مجرد نكتة".

هناك ما يُسمّى بـ تأثير التعوّد — Mere Exposure Effect — حيث ما يتكرّر، يُؤلف، وما يُؤلف… يُقبَل.

لا لأنّه أصحّ، بل لأنّ حُرّاس الوعي ناموا.

 

وهكذا يبدأ التكيّف… التنازل المُقنَّع، الذي لا يشعر به أحد.

تظن أنك تضحك،

لكن الحقيقة؟ أنت تُفرّط.

الكوميديا ليست بريئة دومًا.

في يد المخرِج الذكي، تصبح حصان طروادة ثقافي:

فكرة غريبة؟ ضَعها في قالب ساخر.

انحراف واضح؟ اسبغه بطرافة.

جريمة مرفوضة؟ ضحّكهم عليها حتى يعتادوا شكلها.

 

الدماغ يضحك؟ إذن هو يفتح البوابة.

الضحك يخفض من دفاعات العقل، يشوّش البوصلة الأخلاقية، ويُشغل الفطرة عن الاستجابة.

وفق دراسات منشورة في Frontiers in Psychology وScienceDirect، فإن الضحك المتكرر على مفاهيم معينة يؤثر تدريجيًا في أحكامنا الأخلاقية، دون أي نقاش أو إقناع.

المزاح المكرَّر يصير تطبيعًا صامتًا.

ثم انسحابًا من المبدأ.

ثم استقالة من الهوية.

 

وهكذا، يُعاد تشكيلك… وأنت تضحك.

 

لا أحد يُناظرك. لا أحد يُجبرك.

فقط تغريدة مضحكة، صوت خفيف، مشهد قصير… يمرّ، لكنه لا يغادر.

يستقر في عقلك، ويعيد برمجتك على مهل.

 

تقول: "أنا لا أتأثر".

لكنّك لست جدارًا، بل تراكُمٌ مستمر.

ما تراه "سخيفًا"، يتكرّر.

وما يتكرّر، ينغرس.

وما ينغرس، يُثمر… وإن لم تشعر.

 

ليست كل ضحكة بريئة.

بعضها مخدّر، وبعضها صفقة، وبعضها استسلام.

 

لا نحذّرك من الضحك،

بل من أن تضحك… بينما تُباع أفكارك قطعةً قطعة،

وتُبدّل هويتك تحت عباءة "المزاح".

 

فكّر قليلًا:

ما الذي يُضحكك؟

وما الذي كان يُبكيك... ثم ضحكت عليه؟

.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!