كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

رسالة مفتوحة إلى السيد السوداني

رسالة مفتوحة إلى السيد السوداني

    صرحت خلال اجتماع حكومي في الثالث من الشهر الحالي مؤخراً بما يلي:

-       الوقوف بقوة ضد أي طرف يحاول جر البلاد للتورط في الصراعات.

-       التزام حكومتك بحماية سيادة البلاد وأجوائها ومياهها ومنع توظيفها في الصراعات.

    أنت سميت العمليات القتالية الدائرة بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة ضد جمهورية إيران الإسلامية "صراعاً"، والواقع الذي يدركه الجميع بأنه على خلاف ما تدعي هو اعتداء أمريكي-صهيوني كافر وغادر وخسيس على الجمهورية الإسلامية في إيران بادرا به من دون استفزاز من قبل إيران الإسلام، وأثناء مفاوضات مستمرة بين أمريكا وإيران، وقد أقر الطرفان المعتديان بذلك.

     الحكومة العراقية ومن تمثله من أحزاب وتنظيمات وطوائف وناخبين متورطة وبشكل مباشر في هذا العدوان، والدلائل على ذلك واضحة للعيان ولا تخفى على أحد في العراق وغيره، فمجرد وجود قواعد أمريكية في العراق يستقر فيها الألاف من القوات الأمريكية المدججة بمختلف الأسلحة بما في ذلك وسائل الرصد والتعقب والاستخبارات وفي مناطق قريبة من حدود العراق مع إيران يتيح لها المشاركة في العدوان الأمريكي، كما توجد في هذه القواعد وغيرها قوات تابعة لحلف الناتو الذي تقوده أمريكا، وهي كلها عدوة للنظام الإسلامي الإيراني، ومن المحتم مشاركتها في العدوان المستمر، وعلى مدى الأعوام المنصرمة تشبث النظام السياسي العراقي باستمرار وجود هذه القوات ومستشارين أمريكيين وفقاً لاتفاقات أمنية سارية المفعول وأخرى يجري الحديث عنها، ويستذكر هنا مشاركتك في اجتماع لحلف الناتو  قبل شهور.

   للكيان الصهيوني عدو الإسلام والمسلمين مراكز ومقرات في مملكة آل برزان الكردية وسبق وقد اشتكت إيران من ذلك مراراً وتكراراً، وبسبب امتناع الحكومة العراقية عن الاستجابة لها أقدمت القوات الإيرانية على قصفها، ويصر الأكراد على المحافظة على أقوى الأواصر مع الصهاينة وبعلم الحكومة العراقية وتغاضيها عن ذلك، وأتوقع أن تكون لذلك نتائج مصيرية وسيندم كثيرون. 

  تناقض الوقائع ادعاء حياد العراق في هذا العدوان، ففي مناطق الأكراد العراقية توجد قواعد لأكراد إيرانيين مسلحين ينتمون لمنظمات إرهابية، شاركت في أعمال التخريب داخل إيران، وقتلت المدنيين العزل وقوى الأمن وأحرقت المساجد والحسينيات ودمرت المحال التجارية والمقرات الحكومية، وقد ثبت بأن وعود حكومتك بمنع نشاطهم التخريبي داخل إيران جوفاء، وهم الآن يتحضرون للمشاركة مع أمريكا والصهاينة في العدوان، وسيكون لذلك لو حدث تداعيات تطال كل العراق.

   الأجواء العراقية مستباحة من قبل الطائرات الحربية والصواريخ الأمريكية والصهيونية المتوجهة لقصف إيران الحصن الوحيد المتبقي للإسلام، ولم تفعل الحكومة العراقية ومن يساندها لوقفها بل اكتفت بالتفرج، ولو كانت حريصة على إبقاء بلدها بعيدة عن "الصراعات"  كما تسميها كان بإمكانها وبالحد الأدنى تهديد الأمريكيين بوقف ذلك ومطالبتهم بالضغط على أربابهم الصهاينة بالكف عنه وإلا ستضطر الحكومة العراقية لطرد القوات الأمريكية من العراق وإلغاء الاتفاقات مع الحكومة الأمريكية.

     والواضح والمؤكد الذي لا يقبل الانكار أو الجدل بأن لا سيادة للعراق على نظامه السياسي، وكان آخر الأمثلة على ذلك بيان ترامب الرافض لترشيح نوري المالكي، ويبدو بأن رئيس أمريكا يجهل تاريخ المالكي أو أنه يريد آخر يكون أكثر ولاءً لترامب وسياسات أمريكا، ويحتاج لمن يذكره بأن المالكي خطب في الكونجرس الأمريكي شاكراً احتلال أمريكا للعراق ووضع باقة زهور على مقبرة الجنود الأمريكيين ومنهم من شارك في قتل الألاف من العراقيين الشيعة وغيرهم واغتصاب نسائهم، وسارع المالكي لاستعداده لمنع زج بلاده في "الصراعات" والحفاظ على "علاقات متوازنة" أي الإبقاء على الوضع الحالي المقيت المنحاز لأمريكا ودور العمالة والارتهان للغرب، كما أن سماء وأرض العراق مستباحة أمريكياً وصهيونياً، وهي حقيقة لا تخفى على أحد، وقد عمدت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الاحتلال الأمريكي المتواصل على إبقاء قواتها المسلحة وامتثالاً للإملاءات الأمريكية من دون قوة جوية فعالة باستثناء بعض طائرات أمريكية صدأة لم تجرأ  هذه الحكومات على استعمالها للتصدي لاختراقات أجواءها من قبل الطائرات الحربية الأمريكية والصهيونية، وخنست في أوكارها بينما يعتدي أعداء الله والإسلام والمسلمين على إيران والتي قتلت مئات الأطفال في مدارسهم والمرضى في المستشفيات والآمنين  في مساكنهم ولعلها قذفت نفايات طياريها فوق أرضكم، كما أن حكومات العراق وبأوامر من أمريكا امتنعت عن شراء وسائل قتالية متوفرة من مصادر غير أمريكية بما في ذلك وسائل دفاع جوية، وبالتالي فإن هذه الحكومات اختارت إبقاء أجواءها مفتوحة أمام العدوان الأمريكي والصهيوني المتكرر على إيران حصن الإسلام الوحيد. وكما تعرف لا سيادة للعراق على أموال الشعب العراقي من عائدات نفطه التي ارتضت الحكومة العراقية ايداعها في البنك الفدرالي الأمريكي، ولا تحصل على شروى نقير منها إلا بموافقة الإدارة الأمريكية، كما ارتضت تحكم عدوة الإسلام بأبواب التصرف بهذه الأموال، وحظرت عليكم الوفاء بالتزاماتكم المالية لإيران مقابل ما تحصلونه من امداد كهربائي الذي لولاه لأظلم نهاركم. وعندما تهبط دولة ما إلى هذا الحضيض من الذل والهوان باختيارها فلا غرابة استئساد عملاء أمريكا عليها، أذ تحتل القوات التركية مساحات شاسعة من شمال العراق وبالتنسيق مع الأكراد أنشأت فيها قواعد ثابتة وتبدي نيتها في تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ولعلها تنوي ضمها، ولا يحصل العراق من حصته المائية وفقاً للقوانين الدولية إلى النزر اليسير مما أوصل القطاع الزراعي في العراق وهو القطاع المنتج الوحيد بعد اضمحلال القطاع الصناعي إلى مستوى لم يشهده منذ ما قبل نشوء الدولة العراقية، واشترطت تركيا عليه ان تتولى إدارة ما يصله من مياه وأن تكون لها حصة أكبر من مشاريع العراق وتجارته، والأمر أن يتنمر عليه الضب الكويتي فيستحوذ على ممراته المائية في الخليج الفارسي ويحتل مناطق حدودية بعد استنزافه لأموال الشعب العراقي بدعوى تعويضه عن احتلال بطلهم الطاغية صدام لبلدهم.

   يستجر الحديث عن انحياز العراق في العدوان على إيران إلى صف المعتدين الباغين مدفوعاً باعتبارات مصلحة الزمرة الحاكمة إلى تاريخ غير بعيد، أي الحرب العراقية على إيران التي دامت ثمان سنوات، وكانت مثل الحرب الحالية عليها عدواناً سافراً وبإقرار بعض حلفاء العراق، وكان للحكومة الأمريكية ودول الغرب وعملائها في المنطقة مثل دول الخليج ومصر والأردن مشاركة بالتسليح والتمويل والإسناد السياسي والدبلوماسي، وهي جريرة عظمى في حكم الشريعة وخيانة لكل القيم والأخلاق، أدت إلى استشهاد مئات الألاف من المجاهدين المؤمنين وضياع كل هذا الزمن من عمر الجمهورية الإسلامية ووجود قواعد لأمريكا وغيرها من أعدائها على حدودها الغربية واضطرارها لصرف الكثير من مواردها على توفير وسائل حماية كيانها من الأعداء المتربصين بها في العراق، لذلك يمكن القول بأن هذا العداء الذي بدأ بعد نجاح أعظم ثورة دينية في الإسلام منذ القرن الأول الهجري مستمر بدرجة أو أخرى حتى اليوم، وكان من حق الجمهورية الإسلامية مطالبة العراق بتعويضات بمليارات الدولارات عن خسائر الحرب لكنها استنكفت لعلو قيمها وأخلاقها، ولنستذكر أيضاً الموقف السامي لهذه الجمهورية في مساعدتها العراق في مقارعة تنظيم داعش الإرهابي وإرسالها واحد من أهم قادتها الشهيد سليماني مع قادة من حزب الله لمساعدة العراقيين في وسط وجنوب العراق وكذلك الأكراد في صد الإرهابيين ، واستشهد على أرض العراق بغارة أمريكية وقيل بمشاركة جهات عراقية. وامتنعت الحكومة العراقية آنذاك عن محاسبة أمريكا على اغتيالها لضيف رسمي، وهو فرض ديني وقيمة عليا في العرف القبلي السائد في بلدكم، فما أصدق القول اتق شر من أحسنت إليه.

   هل نفذ صبر إيران الإسلام من مواقف الحكومة العراقية ومعظم مكوناتها؟ لا أستبعد ذلك، ولو اقترف الأكراد حماقة دخول الأراضي الإيرانية ليذوقوا وبال عدوانهم على أيدي الإيرانيين المؤمنين، فسيندم حكام العراق ومن يساندهم وكارهي إيران من الشيعة وغيرهم، وستكون الفرصة متاحة لتغيير جذري في العراق ينهي الاحتلال الأمريكي ويغير وجه المنطقة بأكملها.

اليوم توجد جبهتان لا ثالث لهما جبهة الإيمان الأصيل والدفاع عن الإسلام وجبهة الكفر والعدوان على الإسلام ولينصرن الله من نصره.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!