لم تبدأ حرب الاستكبار على جمهورية إيران الإسلامية في 28 فبراير 2026م بل في 22 سبتمبر 1980م، عندما هاجم النظام العراقي البعثي الجمهورية الإسلامية بعد عام فقط من نشوئها، بتحريض ودعم سخي من كافة دول الاستكبار وتوابعها، تصدرتها أمريكا والدول الأوروبية والاتحاد السوفيتي، في اصطفاف نادر بين الاستكبارين العدوين اللدودين الغربي الرأسمالي الإمبريالي والاستكبار الشيوعي الأممي، ومشاركة نشطة من الدول العربية الخليجية وغيرها بالمال والرجال والسلاح والدبلوماسية والإعلام، وعندما تخوفوا من هزيمة الجيش العراقي ودخول القوات الإيرانية الأرض العراقية واسقاط النظام البعثي العميل أمدوه بالأسلحة الكيماوية التي استعملها بكثافة لصد القوات الإيرانية.
يثير هذا العرض المختصر لحرب دامت ثمان سنوات سؤالين: لم ساندوا النظام العراقي وهو المنبوذ منهم، أقله ظاهرياً، ولم اقترفوا واحدة من أكبر المحرمات في الحروب أي تزويد العراق بأسلحة كيماوية محرمة لن يتردد المستبد العراقي وجيشه وحزبه في استعمالها من دون رادع أو معارضة من المستكبرين؟ العراق كان وسيلة للتخلص من النظام الإسلامي الإيراني، وهو أشبه بالقاتل المرتزق الذي تستخدمه عصابات الجريمة المنظمة في قتل خصومهم، وتطوع لهذه المهمة لأسباب سياسية وطائفية واجتماعية ونزعة منحرفة لدى الحاكم الطاغية، ولا مجال للخوض فيها هنا، سوى أنها تلاقت مع تفاني الاستكبار العالمي في اسقاط إيران وبأي وسيلة محرمة ودنيئة لئلا تكون بؤرة لنشوء مقاومة جماهيرية عقائدية للاستكبار .
انتهت الحرب العراقية على إيران بفشل وظيفته في القضاء على نظام الحكم فيها أو تقسيمها كما هدد بذلك الطاغية العراقي، واستغلت دول الاستكبار الغربي من احتلاله للكويت لتأتي بقواتها ونشر قواعدها على ضفاف الخليج المواجهة لإيران تهيئة لجولات جديدة مستقبلية، أما النظام العراقي فقد اكتفت بتأديبه والإبقاء عليه لكونه معادياً لإيران ومانعاً لنشوء نظام مماثل لنظامه الإسلامي نظراً لكون غالبية سكانه من الشيعة أيضاً، وانصرف اهتمامها إلى تهيئة المنطقة الكردية في العراق لتكون نقطة ارتكاز لمخططها طويل الأمد للقضاء على النظام الإسلامي الإيراني. وكان تأسيس حزب الله ومقاومته الفعالة في تحرير لبنان من الاحتلال الصهيوني نكسة كبرى لهذا المخطط، لذلك تحركت أمريكا وذيولها إلى احتلال العراق ليكون برمته قاعدة متقدمة لتقويض النظام الإسلامي.
تعجب زميل فلسطيني من سرعة عملية الاحتلال وضعف مقاومة العراقيين لها فقلت له بأنها ستتعاظم بعد وقت قصير، وكانت توقعاتي متفائلة وغير دقيقة، إذ رحبت أكثرية العراقيين بالاحتلال أو لم تبد اكتراثاً به وكأنه حدث في المريخ لا على أرض الأنبياء والأئمة والمسلمين، فيما انبرى عدد منهم لمقاومته. منذ الاحتلال وحتى اليوم نجح الأمريكيون في تثبيت أقدامهم على الأرض العراقية وبسط نفوذهم على كافة مناحي الحياة فيه السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، فشيدوا أكبر سفارة لهم في العالم، وبثوا قواعدهم على أرضه، وسيطروا على عوائد نفطه، وتحكموا في تسليح وتدريب جيشه، وتركوا للساسة الجدد رفده بأفراد من طوائفهم وأحزابهم وقبائلهم تطوعوا في صفوفه هرباً من البطالة، وكان الواحد منهم يضطر أحياناً لدفع رشوة لوسطاء يعملون لدى الساسة مقابل انخراطه في الجيش، وتبين بانه هيكل خاو قضى عليه إرهابيو داعش في وقت قياسي، فقتلوا المئات منهم بوحشية وغنموا أسلحتهم. بالرغم من ذلك الفشل الذريع للجيش المدرب تحت إشراف أمريكي والمجهز بأسلحة أمريكية تشبث النظام السياسي العراقي بالقوات الأمريكية بأي صيغة كانت وكانت المعارضة لاستمرار الاحتلال ضعيفة وغير مؤثرة، وكفل هذا الوضع للأمريكيين التأثير في عمليات صنع القرار السياسي والاقتصادي وربط العراق بالدول العربية التابعة لأمريكا وبالذات دول الخليج الفارسي ومصر والأردن مقابل تعهد أمريكي بحماية النظام السياسي العراقي الطائفي والإثني والتحاصصي الفاسد وأركانه، ودأب القادة على نفي أي علاقات متميزة مع إيران سوى ما تمليه عليهم ما أسموه روابط التجاور والدين فيما كان البعض أكثر منهم صدقاً وصراحة في اعترافهم بأن نظامهم أقرب إلى أمريكا، وفي الحقيقة هو برمته في المعسكر الأمريكي.
وضع العدوان الأمريكي الصهيوني الراهن على إيران الحصن الوحيد المتبقي للإسلام النظام العراقي في موقف لا يحسد عليه، فهو سماه صراعاً بينما يدرك القاصي والداني وحتى المعتديان ومن معهما بأنه عدوان صارخ وحاقد من قبل غير مسلمين على مسلمين يشتركون في العقيدة مع سكان العراق وفي المذهب مع غالبيتهم، واستند بهذا التشخيص الأجوف لتبرير وقوفه على "الحياد" وتجنيب بلده ويلات "الصراع"، ويشهد الواقع الذي لا ينطلي على عاقل بأن العراق منخرط وبصورة مقاربة لدول الخليج والأردن وغيرهم من عملاء أمريكا والصهيونية في الحرب على إيران المسلمة بدليل وجود قواعد وقوات أمريكية وأوروبية ومقرات الإرهابيين الكرد ومراكز للموساد الصهيونية على أرضه وبرضاه أو سكوته عليها تشارك وتساعد في قتل المسلمين الإيرانيين من رجال ونساء وأطفال وتدمير مدنهم وقراهم ومصادر رزقهم ومستشفياتهم ومدارسهم باعتراف السفاح رئيس أمريكا وحليفه الصهيوني.
في الحرب العراقية على إيران كان العراق رأس الحربة للحملة الرأسمالية والشيوعية والصهيونية والسّنية على إيران المسلمة، أما اليوم فهو مشارك ثانوي في الحرب على إيران وهي امتداد لتلك الحرب وإن اختلفت في بعض جوانبها، لكن المعصية والإثم والخطيئة واحدة لا فرق بينهما لأنهما ينتجان سفك دماء محرمة بل من أشد الحرمات أعد الله لمرتكبيها أشد العقوبات في الدنيا والآخرة، فأهون على الله زوال الدنيا من إراقة دم إمرىء مسلم كما روي عن الرسول الأعظم، وهنالك من أفتى بأن لا توبة لمن يقتل مسلماً، فما بالك بقتل ألاف المسلمين لا لذنب اقترفوه، ولكن من دون شك يحق لهم الدفاع عن أنفسهم ضد من يعتدي عليهم ولو كان مسلماً.
تأسست مدينة الكوفة في العقد الثاني الهجري بعد استيلاء جيش الخلافة على العراق، وسكنها المقاتلون من قبائل شتى، وكانت عاصمة الإمام علي عليه السلام، ومن المعروف بأن أهل الكوفة خذلوا أئمة أهل البيت واحداً بعد الآخر حتى غدا اطلاق صفة أهل الكوفة على جماعة أو فرد اتهاماً بالخيانة والخذلان وفقدان القيم السامية ومسبة كبيرة، ولا حاجة للتعمق فيها. عندما سأل الإمام الحسين عليه السلام الشاعر الفرزدق عن العراقيين أجابه بأن قلوبهم معك وسيوفهم عليك ولو استحضرنا هذا الشاعر لنسأله عن موقف العراقيين من الإيرانيين المسلمين الذين يتصدون لعدوان ممن غضب الله عليهم والضالين فبم سيجيب، لا جدال في حقد الأكراد على إيران وتمنيهم القضاء على نظامهم الإسلامي، والسنة العراقيون يكرهون إيران لأسباب طائفية ولأن الكثيرين منهم يحنون لعهد طاغيتهم السفاح صدام ويرون لأنفسهم حقاً مطلقاً في حكم العراق بلا منافس، أما الشيعة فقلة منهم اصطفوا مع إيران بالفعل لا بالقول فقط، وعدد اخر خرج للتعبير عن تضامنه اللفظي مع إيران وهو سلوك غير ذي بال، والكثرة منهم قابعون في بيوتهم يشاهدون الأخبار والمسلسلات، وعدد من الساسة وأتباعهم يميلون لأمريكا المعتدية، سيكون الفرزدق في حيرة من شيعة العراق وبالتحديد قلوبهم وسيوفهم، فلنخبره بأن التعاطف القلبي مع إيران في هذا الظرف لا قيمة له البتة أما السيوف العراقية التي انبرت للقتال مع الدولة الإسلامية الحقة فهي غير كافية، ولنتذكر بأن رهطاً فاسداً أي أقل من عشرة كان كافياً لنزول غضب الله على ثمود.
اعتبرت إيران الدول التي توجد فيها قواعد أمريكية مشاركة في العدوان عليها وهي محقة تماماً في ذلك، لكنها استثنت العراق واكتفت باستهداف القواعد الأمريكية ومقرات الجماعات الكردية الإرهابية فيها وأنذرت دويلة آل برزان باحتلال أربيل لو سمحت للإرهابيين بعبور الحدود الإيرانية، ولو فعلت لكان ذلك دفاعاً مشروعاً، لكن صبر إيران على انحياز النظام العراق لأمريكا ودول العدوان سينفذ عاجلاً لا آجلاً، وقد يسبق ذلك نفاذ صبر شريحة واسعة من الشيعة العراقيين على حكومتهم، ينتج عنه انفجار شعبي ضخم يؤدي إلى تقويض النظام الحالي الفدرالي والتحاصصي والطائفي وفرض نظام سياسي موحد متحالف مع إيران ومعادي لعملائها، وسيمثل هذا التطور الكبير خسارة كبرى لا تعوض للمعسكر الأمريكي أو ما سيتبقى منه في المنطقة وتغيير جذري في موازين القوى الإقليمية وستكون دول الخليج والأردن أشد النادمين على اصطفافهم مع أعداء الله والإسلام والإنسانية في العدوان على إيران الحصن الأخير للإسلام.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!