كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

أدامَ اللهُ عينيكِ

أدامَ اللهُ عينيكِ

لم يكن التحدّي سهلًا، لكنّها استسهلته، وكان الأمر شاقًّا لكنّها استساغته، وكان الظرف غالبًا لكنّها هزمته... تلك هي أمّي. تلك التي تعجز الكلمات أمام هيبة وصفها، ويرجف القلب لرؤية عينيها، وتأبى الشفاه إلّا أن تُقبِّل يديها كلّما رأتها.

أمّي التي تحمّلت عناء السير طول المسير من ثقل الحمل، وأذى الولادة، ووجع التَّصبّر في دنيا الوجع بمنتهى السعادة. سهرت بجوف الليالي، وكافحت طول النهار؛ كي نتلذّذ بأكلٍ حلوِ المذاق، وكي تكسونا بأرقى الثياب. نعست وجاعت، وبردت وتألمت، وقاست كلّ المعاناة؛ لأجل أن نكبر شِباعًا، أصحّاء، هانئين، لا نحتاج شيئًا، ويملؤنا الحنين.
لا تَلُمُّ عينيها الفرحُ، ويفيض قلبها نبضًا متسارعًا علَّه يُلاحق سرورَ فؤادها عندما ترانا مبتهجين، ناجحين أو منتصرين.
أمّي طيّبة القلب، نادرة الوجدان، ليست لأنّها أمّي، بل لأنّها حقًّا صمّام الأمان. لم تشغلها نفسها عنّا، ولم تجرّها أمور النسويّة وإثبات الذات؛ بل باتت مشغولةً بنا، وجلُّ همّها أن تُثبت لنا أنّنا أعزّ على روحها من روحها.
الآن أرى أمّي وقد تكمّش جلد يديها، وبدأ الترهّل في جفنيها، ووضح في قسمات وجهها تعب السنين. صارت تعاني عند قيامها، وتتأوّه وجعًا من قدميها في نهاية كلّ يوم... كلّما نظرت في عينيها بدا لي كم بذلت منهما في سبيلنا!
نضجت بين ساعديها، لكن لا زلت في عينيها طفلة، ولا زال قلبي طفلًا بالتعلّق بها. يؤرّقني البعد عنها حين أكون في العمل، أو في بيت أقاربي، فأشتاق إليها كأنّها ببُعدِ القمر.
فأبدعتِ يا أمّي وأجدتِ، فكيف نجازيكِ؟! حقٌّ للجنان أن تكون تحت قدميكِ، ولن يجازيكِ إلّا من قذف هذه الرحمة فيكِ.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!