آيات القرآن الكريم تضع لنا قواعد عامة تصلح في كل زمان ومكان، وحين ينقل لنا أحداثاً وصوراً ومعارك وقصصاً، إنما يريد أن نستلهم منها التجربة، ونتعلم الدرس، ولا نقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها من سبقنا.
وفي سورة الحشر ينقل القرآن لنا صورة فنية وحدثاً مهماً وقع في الصدر الأول للإسلام، وهو محاصرة (يهود بني النضير)، الذين كان لهم عهود ومواثيق مع النبي (صلى الله عليه واله وسلم)؛ ولكن بسبب خيانتهم وتآمرهم على الدولة الإسلامية الفتية، جاء الأمر الإلهي في محاصرتهم ومعاقبتهم.
في هذه السورة يصور لنا القرآن الكريم محاور الصراع وساحة الحرب (المادية والنفسية)، وأنواع التكتلات، والاتصالات السرية، وكيفية إدارة المؤامرات.
وهناك ثلاث فئات في ساحة الصراع:
1. الفئة الأولى: أهل الحق، وهم المسلمون.
2. الفئة الثانية: أهل الباطل، وهم اليهود.
3. الفئة الثالثة: الجماعة البراغماتية.
والفئة الثالثة البراغماتية، التي تبحث عن مصلحتها فقط، ولا يهمها أن تكون مع هذا الطرف أو ذاك، المهم أن تكون الراحة والسلامة مع تحقيق ربح ومكاسب، وهي جماعة متلوّنة ومتقلبة، يطلق عليها القرآن اسم (المنافقين).
في سورة الحشر ينقل لنا القرآن الكريم الصراع الدائر بين الفئتين (المحقة والمبطلة)، وما جرى بينهما من أحداث في الظاهر، لكنه ينقل لنا ما هو أبعد من ذلك، بأن تقرأ ما وراء الحدث بما يدور (خلف الكواليس)، وكيف تُحاك المؤامرات.وبنفس الوقت ينقل لنا حقيقة نفسية أطراف الصراع: نفسية الفئة المحقة وهم (المؤمنون)، ونفسية الفئة المبطلة (اليهود)، ونفسية الفئة المساندة لليهود (المنافقين).أما المؤمنون في ساحة الصراع بكِلا جناحيه (المهاجرون والأنصار)، عبر عن حالتهم النفسية مقابل عدة الأعداء، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا} [الحشر: 2]، عاشوا حالة (الظن)، وذلك عندما رأوا تحصين العدو وإمكاناته المادية، حكم المسلمون على الظاهر بعدم المقدرة على اقتحام حصونهم المنيعة، متناسين قدرة الله العظمى ومشيئته المطلقة التي تتحكم بكل مجريات الأمور.
يصور القرآن الطرف المقابل في ساحة الصراع .. جيش العدو (اليهود)، يعيشون حالة (الظنون النفسية)، وهي تعلقهم بالمادة واعتمادهم المطلق على الأسباب الطبيعية، وذلك بأن التحصن واكتمال عدتهم وأسلحتهم سوف تمنعهم من الهزيمة ويكون النصر حليفهم، وفي الحقيقة هم واهمون ، قال تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} [الحشر: 2].
الصورة الثالثة النفسية للجماعة البراغماتية (المنافقين)، صور نفسياتهم بحقيقة واضحة وجلية وكشف عما في دواخلهم إذ قال: {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [الحشر: 13].
وقال تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14].
امتازت هذه الفئة بصفتين أساسيتين:
1. صفة التلون والتقلب.
2. صفة التشتت والتفرق وعدم التماسك.
بسبب أن مواقفهم تتبع المصالح، وبما أن المصالح متعددة، تكون أهواؤهم ورغباتهم متعددة، وإن اجتمعوا ظاهراً في موقف جسدي، لكنهم متشتتون قلباً وقالباً من ناحية المشاعر والتفكير، حقيقة لا بد أن يُلتفت إليها؛ و حجاب النفاق يمنعهم من كشف هذه الحقيقة.
ومن خلال التأمل بآيات سورة الحشر نجد أن هناك انهزاماً عسكرياً يسبقه انهزام نفسي، الانهزام النفسي لليهود كان ب (الرعب من الجيش غير المرئي)، الذي تكفل به الله لنصرة المجاهدين في زمن النبي (صلى الله عليه واله)، قال تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2].
بل يمكن أن نقول: هذا الجيش غير المرئي حاضر لنصرة المؤمنين في كل زمان.وإذا أردنا أن نسقط الصورة الفنية التي رسمها القرآن الكريم عن غزوة بني النضير على واقعنا الحالي، فإنها تنطبق على الأحداث الجارية الآن في الصراع القائم بين معسكر الإيمان الذي يتمثل بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي بدورها تمثل الإسلام الحقيقي المرتبط بأهل البيت (عليه السلام).
ومعسكر الكفر والشرك الذي يتمثل (بأمريكا وإسرائيل).
ومعسكر النفاق المتمثل (بكل الدول الإسلامية عربية وغير عربية)، التي آثرت طلب الراحة والمصلحة على عدم الدخول إلى جانب إخوانهم المسلمين في ساحة الصراع.
من الواضح جداً أن بعض الدول العربية والإسلامية التي هي محسوبة على الإسلام وقفت إلى جانب أمريكا وإسرائيل في هذا الصراع كـ (دول الخليج والأردن وتركيا والهند) وغيرهم، وكل ظنهم أن الله لا ينصر المجاهدين المسلمين في إيران وغيرها، وإن أمريكا وإسرائيل بما لديهما من إمكانيات مادية وعسكرية متقدمة هائلة سوف تنتصر، وإن اليهود ظنوا أن قبتهم الحديدية مانعتهم، كما ظن أسلافهم من قبل أن حصونهم مانعتهم، وكذلك ظنت أمريكا وإسرائيل أن تحالفهما مع دول الخليج سوف يغير شيئاً في المعادلة لصالحهما، لكن هذا الظن خاب، وذلك عندما خذلهم حكام الخليج، وهو نفس المنطق الذي ذكره القرآن عن المنافقين الذين واعدوا اليهود بالنصرة لهم إن حاول النبي اقتحام الحصون عليهم وحربهم، إذ قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11].
فدول الخليج لم تخرج للحرب مع أمريكا وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولم ينصروهم، وهم كاذبون حالهم حال المنافقين.
ولو على فرض أنهم تشجعوا وخرجوا معهم للقتال، لَفَرُّوا من الجيش الإسلامي في الجمهورية الإسلامية؛ لجبنهم، ولم تشهد لهم ساحات القتال أي موقف مشرف، ولم يذكرهم التاريخ إلا بالعمالة والتملق للكفار واليهود، قال تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} [الحشر: 12].
هم يعطون الجزية للأمريكان واليهود عن ذُلٍّ وهم صاغرون {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وينفقون أموالهم في إثارة الفتن في الدول الإسلامية، ويُسخُّون بالهدايا إلى الأمريكان، وسوف يذوقون وبال ما أنفقوه، قال تعالى: {يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36].
في الحقيقة إن ما نشهده من الصراع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين أمريكا وإسرائيل هو صراع بين الحق والباطل، صراع بين الخير والشر، صراع بين الإيمان والكفر، وهو نفس الموقف الذي حصل يوم الخندق عندما برز علي بن أبي طالب (عليه السلام) لعمر بن عبد ود العامري، فقال النبي (صلى الله عليه واله): "لقد برز الإيمان كله إلى الشرك كله".
واليوم يتمثل معسكر الإيمان بالمعسكر الشيعي: إيران والمقاومة الإسلامية في العراق ولبنان واليمن وفلسطين، ويتمثل معسكر الشرك في أمريكا وإسرائيل، والله تعالى سينصر المسلمين على الأعداء.وقد قذف الله في قلوب الأعداء الرعب، فهم يرتجفون من اسم حيدر والحسين والمهدي، نراهم يفرون إلى الملاجئ، ويلوذون حول الأسوار خوفاً من الصواريخ الفرط صوتية، التي دكت حصونهم فلم تبقِ لهم قبة حديدية، بل اتضحت أنها (فرقعة قرقع).
وهؤلاء هم جنود الله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر: 31].

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!