كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

وذكّر الذين يؤمنون بالغيب

وذكّر الذين يؤمنون بالغيب

 إنّ من آمن بغيب الله ووعده الذي واعده في كتابه، وأمر نبيّه ببيانه لأمّته، لا يمكن أن تزعزع يقينه بأنّه وعد سيتحقق، مهما كانت الموانع التي وضعها أعداؤه من شياطين الإنس، طغاة ومستكبري العالم، والهمج الرّعاع من أتباعهم، وقد ظهر من أنباء ذلك الوعد قيام نظام إسلامي منذ سبع وأربعين عاما، على أثر ثورة شعبية لم يشهد لها تاريخ البشرية مثيلا، قيادة وفكرا وأهدافا، هؤلاء الآخرين الذين جاء ذكرهم في سورة الجمعة ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم)(1) هم قوم سلمان (المحمّدي) الفارسي، وأشارت إليهم الآية التي في سورة محمد: (وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (2)

وقد علمنا على ما جاءنا من تاريخنا الإسلامي، كيف انحرف حكامنا عن دينهم، انحرافا أثبتوه من خلال ما ورد علينا من سيرهم، وكانت المليئة بالفسوق، والجرأة على الله بارتكاب المحرمات وسفك الدماء دون وجه حقّ، استجابة لأهوائهم المريضة، وتحقيقا لنزواتهم الشّاذّة عن أحكام الله سبحانه، وآداب نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله، ولم تقف أجيال الأمّة الإسلامية إزاء تلك الانحرافات، دون أن تحرّك ساكنا، فقد شهدت الساحة الإسلامية على امتداد جغرافيتها ثورات إسلامية، قادها رجال مؤمنون بعدالة قضية الإسلام، وجدوى تحقيق أهدافه السّامية، المؤسسة على العدالة والأمن والحرية، لكنّها لم تتمكن من النجاح، نظرا لشدة بطش هؤلاء الطغاة، وقلة تماسك حركاتهم الثورية، فأجهضت وأبيد قادتها  ومشاركوهم قيامهم دون رحمة، لكن الأمل القرآني والبيان النبوي في عودة الإسلام قيما وأحكاما ونظاما، بقي يراود التواقين إليه، يعلّمون أجياله، ويذكرون به أسلوب الحكم من غفل عنه من المؤمنين، إلى هذا الزمن الذي شهد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، فاستبشر بها من عرف حقيقتها، ودرس فكرها الأصيل، وتأكّد من كونها ذلك الوعد الإلهي، الذي بشّر الله به عباده الصالحين، في آخر الزمان الذي نحن فيه.

ثورة إسلامية قام على اثرها نظام على منهاج ولي الفقيه العادل، أثارت حفيظة أعدائه في كل مكان، فبادروا محاربين له بكل الوسائل عسكريا واقتصاديا وثقافيا، انصبت عليه الدعايات المغرضة والأقاويل الكاذبة من كل جانب، وحوصر بشتى أنواع العقوبات والقرارات الظالمة، ودُبّرت له مختلف المؤامرات من اغتيال قياداته وعلمائه، سعيا وراء اضعافه وتحريض فئات منفلتة من الإيرانيين عليه، وكلما فشل الغرب بقواه وأدواته ومؤسساته في تحقيق ما من شأنه اضعاف النظام الإسلامي وتفكيك حاضنته الشعبية ازاد الالتفاف حوله وعظمت حاضنته حتى من خارج ايران، حيث أصبح له من الأنصار المؤمنين بأنّه من وعد الله وعليهم الالتزام به والانخراط في مشروعه المقاوم.

ومع يأس الغرب بزعامة أمريكا وتدبير القوى الصهيونية المهيمنة على العالم، من نجاح أي من المؤامرات التي أمّلوا منها التخلص من نظام إسلامي أرّقهم، وأفسد عليهم مشروعهم الشرق الأوسط الجديد، أو بعنوانه الفعلي (إسرائيل الكبرى)، بادروا إلى شن عدوانين مجرمين اختبروا في أوّله منذ أشهر من السنة الماضية مدى قوّته العسكرية، وكانت الإثنا عشر يوما كافية للوقوف على مداها  وسببت لهم ارباكا كبيرا، شارف فيه الكيان الصهيوني على الهزيمة، فالتجأت أمريكا  إلى طلب وقف اطلاق النار، فوافقت إيران على ذلك لأنها كانت بحاجة على مراجعة شأنها الداخلي، من واجب تشييع القادة الشهداء إلى مثواهم، وما تخلل ذلك من تطهير الساحة من العملاء والجواسيس، وقد نجحت الأجهزة الأمنية والاستخبارية في كشف العديد منهم والقبض عليهم تقديمهم إلى القضاء.

أما في هذا العدوان، الذي يعتبره أعداء إيران مصيريا بالنسبة اليهم، وبالطبع فإنه لإيران أكبر مما أمّلوه ورجوه من خطط خبيثة، هو فرصة فتح بابها أعداؤها، ولم يعد في مقدورهم غلقه بعد ذلك، إلا بعد أن تحقق فيه جميع مطالبها مرّة واحدة، وهي مطالب لا تُنال بغير التضحيات الجسام، وقد قدّمت مزيدا من الشهداء على جميع طبقاتهم الاجتماعية والسلطوية، وهذه ظاهرة امتدت على مدى 47 عاما من قيام النظام الإسلامي، ومن زار مقابر الشهداء في طهران وغيرها من المدن الإيرانية، فهِمَ بالتأكيد أن الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الإسلام المحمدي، وتأييدا لقضاياه العادلة، هم هؤلاء الموعودين بحبّ الله وتأييده ونصرته، (يحبّهم ويحبّونه) من قوم سلمان، يغبطهم المؤمنون العارفون بهم، ويسألون الله سبحانه حسن الخاتمة في اللحق بهم، بعدما وعدهم احدى الحسنيين.

هذا العدوان على إيران سيكون الأخير، لأنّ أعداءها من دول الغرب الصهيوني بزعامة أمريكا الشيطان الأكبر، تلقوا درسا يصعب عليهم نسيانه، بعدما ترك في قادتهم أثرا سلبيا عميقا لن ينمحي، وهو تأكيد لوعد الله الذي جاء فيه، أن قوم سلمان سينتصرون فيه انتصارا مبينا، لكن كيف سينتهي وتكون خاتمته سعيدة على إيران وعلى كل مؤمن؟ ليس ذلك خارج إطار وعد الله الذي نسيه الكثيرون، إنّه سيكون في صلب ذلك الوعد، وصِدْق هؤلاء الأبرار الأحرار، سيُعجّل للمسلمين والمستضعفين في الأرض، ظهور الرّحمة الإلهية، المتجلية في خاتم الإمامة وعنصر الهداية، المسدد بقوة معارف وعلوم لم يأنس بها العالم قبل هذا العصر، نحن مقبلون حتما على عصر هذه الرحمة الإلهية في ظهور دينه الحق على الدين كلّه، بناء على صدق وتضحيات قوم سلمان، فطوبى لمن آمن يغيب الله وسعد باتباعه مطمئنا.

المراجع

1 _ صحيح البخاري كتاب التفسير سورة الجمعة ج6ص151ح4897 و4898

 2_ سنن الترمذي أبواب تفسير القرآن ومن سورة محمد الآية 38 ج5ص303ح3260

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!