البعثُ لا يكون عن فراغ؛ ثَمَّةَ غايةٌ في هذا البعث.
ربما يكون البعثُ والإرسالُ متقاربَيْن في المعنى؛ فاللهُ يبعثُ أنبياءَ ويُرسلُ رسلًا إلى العقلاء من البشر والجن، حسب ما جاء في قوله تعالى:
﴿يا مَعشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَم يَأتِكُم رُسُلٌ مِنكُم يَقُصّونَ عَلَيكُم آياتي وَيُنذِرونَكُم لِقاءَ يَومِكُم هذا﴾ [الأنعام: 130].
والغايةُ هي الإنذارُ والتبشير؛ قال تعالى:
﴿وَما نُرسِلُ المُرسَلينَ إِلّا مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ﴾ [الأنعام: 48]،
وقال تعالى: ﴿وَما نُرسِلُ المُرسَلينَ إِلّا مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ﴾ [الكهف: 56].
ولماذا يكونون مبشّرين ومنذرين؟
يأتي الجواب في قوله تعالى:
﴿رُسُلًا مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ لِئَلّا يَكونَ لِلنّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزيزًا حَكيمًا﴾ [النساء: 165].
حتى لا يكون للإنسان حُجّةٌ على الله أنه لم يصله التبليغ الإلهي، بل قد وصل إليه.
وقد يُقيم اللهُ الحُجّةَ على الناس ليس عن طريق الأنبياء والرسل فقط، بل يختار من خلقه من يشاء لإثبات الحجة على الناس؛
إمّا بإرسال بعض الآيات والعقوبات حتى يرجعوا؛ قال تعالى:
﴿فَأَرسَلنا عَلَيهِمُ الطّوفانَ وَالجَرادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاستَكبَروا وَكانوا قَومًا مُجرِمينَ﴾ [الأعراف: 133].
أو يُرسلُ اللهُ جُندًا عقوبةً لمن تمادى في المعصية، وفي الوقت نفسه موعظةً لغيره؛ قال تعالى:
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعدُ بِحَمدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِن خيفَتِهِ وَيُرسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصيبُ بِها مَن يَشاءُ وَهُم يُجادِلونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَديدُ المِحالِ﴾ [الرعد: 13].
أو ربما يُرسلُ اللهُ على الناس ما لم يكن بالحسبان؛ قال تعالى:
﴿أَفَأَمِنتُم أَن يَخسِفَ بِكُم جانِبَ البَرِّ أَو يُرسِلَ عَلَيكُم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدوا لَكُم وَكيلًا﴾ [الإسراء: 68]،
وقال تعالى: ﴿إِنّا أَرسَلنا عَلَيهِم حاصِبًا إِلّا آلَ لوطٍ نَجَّيناهُم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: 34].
أو قد يكون جُندٌ من جنود الله غيرَ مرئيٍّ، كالريح مثلًا؛ قال تعالى:
﴿أَم أَمِنتُم أَن يُعيدَكُم فيهِ تارَةً أُخرى فَيُرسِلَ عَلَيكُم قاصِفًا مِنَ الرّيحِ فَيُغرِقَكُم بِما كَفَرتُم ثُمَّ لا تَجِدوا لَكُم عَلَينا بِهِ تَبيعًا﴾ [الإسراء: 69]،
وكما في قوله تعالى:
﴿فَأَرسَلنا عَلَيهِم ريحًا صَرصَرًا في أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذيقَهُم عَذابَ الخِزيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَخزى وَهُم لا يُنصَرونَ﴾ [فصلت: 16]،
وكذلك: ﴿إِنّا أَرسَلنا عَلَيهِم ريحًا صَرصَرًا في يَومِ نَحسٍ مُستَمِرٍّ﴾ [القمر: 19].
أو الريحَ العقيم؛ قال تعالى:
﴿وَفي عادٍ إِذ أَرسَلنا عَلَيهِمُ الرّيحَ العَقيمَ﴾ [الذاريات: 41].
أو عذابًا يُهلك الأخضرَ واليابس؛ قال تعالى:
﴿فَعَسى رَبّي أَن يُؤتِيَنِ خَيرًا مِن جَنَّتِكَ وَيُرسِلَ عَلَيها حُسبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصبِحَ صَعيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40].
وربما يكون ذلك من قبيل البعث؛ أي بعث العذاب حتى يرجع الإنسان عن غيّه ويرتدع؛ قال تعالى:
﴿قُل هُوَ القادِرُ عَلى أَن يَبعَثَ عَلَيكُم عَذابًا مِن فَوقِكُم أَو مِن تَحتِ أَرجُلِكُم أَو يَلبِسَكُم شِيَعًا وَيُذيقَ بَعضَكُم بَأسَ بَعضٍ انظُر كَيفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُم يَفقَهونَ﴾ [الأنعام: 65].
وقد يكون البعثُ للإنسان حتى يتعلّم ويدرك السرَّ، فيتعظ ويرتدع عن الجريمة التي ما زال مُصرًّا على ارتكابها، أو يكون نذيرَ شؤمٍ له؛ كما في قصة قتل قابيل لأخيه هابيل؛ قال تعالى:
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبحَثُ فِي الأَرضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُواري سَوءَةَ أَخيهِ قالَ يا وَيلَتى أَعَجَزتُ أَن أَكونَ مِثلَ هذَا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوءَةَ أَخي فَأَصبَحَ مِنَ النّادِمينَ﴾ [المائدة: 31].
فكانت الغايةُ من بعث الغراب هي التعليم:
إنك يا قابيل قتلتَ أخاك، فماذا كانت النتيجة؟
لقد قتلتَ أخاك، فانتظر العاقبةَ الوخيمة.
وكأنما أعاد اللهُ الغرابَ مرةً ثانيةً لبني إسرائيل، ولكن ليس غرابًا واحدًا بل جماعات.
وهذه الجماعات تُنذر بالمصير المشؤوم.
تقول لهم: إن هناك دمًا بريئًا سُفك بغير حق،
وإن هناك مصيرًا أسودَ ينتظركم،
وإن أمامكم ويلاتٍ عظيمة.
ولعله نذيرٌ خاصٌّ: أنك قتلتَ أخاك كما قتل قابيل أخاه هابيل،
لأيِّ شيءٍ قتله؟
على دنيا يحوزها أيامًا قلائل، وعلى تنافسٍ في سلطان، وعلى مطمعٍ زائل.
إلا أنها الحقيقة؛ فالغربانُ رسلُ الله إليكم، فانتظروا أخذَ الله، إنه أخذُ عزيزٍ مقتدر.
وكما جاء في العهد القديم كرمز للخراب : من سفر إشعياء 34: 11 وَيَرِثُهَا الْقُوقُ وَالْقُنْفُذُ، وَالْكَرْكِيُّ وَالْغُرَابُ يَسْكُنَانِ فِيهَا، وَيُمَدُّ عَلَيْهَا خَيْطُ الْخَرَابِ وَمِطْمَارُ الْخَلاَءِ


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!