:من حديثِ القلب (١) :
ما عادَ ينفعُ الصادقونَ صَدقُهم، ولا الطيّبونَ طيبتُهم، ولا المحبّونَ حبّهم، ولا المقدِّرونَ إجلالُهم، ولا المتمسّكونَ احترامُهم... ما عادَ ينفعُ الحلوُ، ولا يغزّرُ الملحُ، وما تذوّقنا جميلًا منهما إلّا المرّ!.
ما عادتِ للأمانةِ مكانةً، ولا للثقةِ اعتبارًا، ولا للعفويّةِ مدخلًا، ولا للأخلاقِ مهابةً... وقد أُهدرت كلُّ الاعتبارات!. صارَ المنافقُ مطلوبًا، والمخلصُ منكورًا، والأمينُ منبوذًا، والحقيقةُ مرفوضةً، فضاعَت كلُّ المكارمِ والقيمِ.
ما تبقّى مأمنًا من بعضِ البشر، ولا شافعًا عندهم، ولا وسيلةً تُرتجى لنبذِ الخياناتِ، ودفعِ الأذى، وردِّ الجميل!.
ومعَ كلِّ ذلك، لن تتغيّرَ أخلاقُنا، ولو مقدارَ ذرّةٍ، ولن ننحدرَ مع هذا الانحدار، بل سنبقى -بإذنِ اللهِ (تعالى)- نكافحُ، ونسعى للرُّقيِّ والتقدُّم.
سنكونُ متمسّكينَ بما تربّينا عليه، وبما علَّمنا إيّاه دينُنا، بأنَّ الدِّينَ معاملةٌ، وأنَّهُ دينُ تسامحٍ.
سنبقى كما نحنُ، لا لأنَّ العالمَ يستحقُّ ذلك، بل لأنَّنا نحنُ من نرفضُ أن نُشبهه.
نُحسنُ وإن أساؤوا، ونصدقُ وإن كذبوا، ونصفحُ وإن جاروا...
فالأخلاقُ ليست ردَّةَ فعلٍ، بل مبدأٌ لا يتغيّر.
من حديثِ القلب (٢) :
بركانٌ من المشاعرِ يضجُّ فينا بالأنين: الغضبِ ممّا يدورُ حولَنا، والقسوةِ على أنفسِنا، والبُغضِ للدُّنيا.
الألمُ يملأُ قلوبَنا، يكادُ يصهرُها من شدّةِ الحرقة، فنقفُ مشدوهينَ أمامَ هذا الواقع، لا نحرّكُ ساكنًا سوى أدمغتِنا التي يومًا ما ستنفجرُ بما فيها، مُعلِنةً استسلامَها...
قفْ قليلًا!
لا أحدَ منّا يُعجبهُ نمطُ عيشِهِ!
فلنُجرّبْ يومًا حالةَ الرِّضا، لننتصرَ على الذاتِ في ثورتِها الأزليّة، وفي تمرُّدِها علينا.
لنُقلّدِ الماءَ في ليونتِهِ وسهولتِهِ، ونحاولِ التأقلمَ مع ما نحنُ عليهِ وفيهِ...
لنُمثّلْ دورَ القنوعِ، بل المُعجبِ بهذهِ الوضعيّةِ التي نحنُ عليها!
نعم؛ لنفعلْ ذلك...
لن نخسرَ شيئًا، ففي كلِّ الأحوالِ نكونُ قد ربحنا جرأةَ التغلُّبِ على هفواتِ أنفسِنا ورغباتِها، ولو بالتجربة...
لعلَّنا نتحسّسُ لذّةَ السعادة... سعادةَ الوجودِ ببساطتِهِ...
فنتذوّقُ رغدَ النومِ فيما تبقّى من ليالينا...
من حديثِ القلب(٣):
أحيانًا نكتشف الحقيقة... حقيقةَ أنّنا نُعيقُ أيّامَنا، وليستِ الأيّامُ تُعيقُنا. نحن متمرّدون على ذواتِنا، حتّى ما عدنا نُدركُ ما نريدُ، فضاعَ ما تحتاجُه أرواحُنا في البحثِ عمّا تُهديه إليه رغباتُنا... حقًّا، نحن بحاجةٍ إلى أن ننتبه؛ فقد يَبِسَ شِغافُ أرواحِنا، وهو بحاجةٍ إلى الارتواء.
من حديثِ القلب (٤):
يبقى الماضي يؤرّقنا؛ فنحن إذ نحرق أوراقه يصنع لنا رمادًا يلوّث أجواءنا بدخانه! حقًّا، إنّها فلسفةٌ سلبيّةٌ متناقضة... فقط أكملها لتكن صحيحةً وإيجابيّةً:
اِحْرِقْ أوراقه، واسقِ أشجارَ قدراتك، لتمنحك هواءً متجدّدًا منعشًا كلَّ يوم.
والآن، لا شيء يؤرّقك؛ حيث ينتظرك غدٌ مشرقٌ.
فكفاك تشاؤمًا... كفاك تعاسةً...
كن متفائلًا، وابتهج.
من حديثِ القلب( ٥) :
لا تُصدِّقْ أنَّ هناك إنسانًا لم يُكسَرْ يومًا، مهما بدا قويًّا؛ ففي كلِّ لحظةٍ مؤلمةٍ ينكسرُ في الرُّوحِ ركنٌ، ركنٌ لا يُعادُ بناؤُه كما كان.
عندَ الانتقالِ من محلَّةٍ إلى أُخرى، وتركِ أرضٍ أَلِفْتَها وسكَّانٍ أحببتَهم، يسقطُ ركنٌ.
وعندَ سفرِ أحدِهم بلا عودةٍ، يسقطُ ركنٌ.
وعندَ موتِ عزيزٍ، يسقطُ ركنٌ.
وبغدرِ صديقٍ، يسقطُ ركنٌ.
وحتّى بكلمةٍ عابرةٍ خادشةٍ من مقرَّبٍ، يسقطُ ركنٌ.
وهكذا، مهما بدتِ الرُّوحُ أمامكَ متماسكةً، فهي قويَّةٌ لا لأنَّها لم تتصدَّعْ، بل لأنَّها بقيتْ واقفةً، تُبصرُ بعينَيْها الصمودَ رغمَ كلِّ ما تهدَّمَ فيها. والأقوى من ذلك أن تظلَّ الشِّفاهُ مبتسمةً، رغمَ الأسى الذي لا يُنسى.
فغالبًا يقفُ خلفَ كلِّ تفاوتٍ بين السعادةِ والحُزنِ إنسانٌ؛ إذ خلفَ نجاحِكَ بسمةُ والديكَ، وخلفَ سعيِكَ للمالِ حلمُ بيتٍ بسيطٍ أو خِطبةُ شريكة حياتك، وخلفَ تعبِكَ إشباعُ حاجاتِ عيالِكَ، وخلفَ بكائِكَ اشتياقٌ لا يُقال.
نحنُ ما أرهقتْنا إلَّا عيونُ الأحبَّة؛ إيجابًا وسلبًا.
ولأجلِ عيونِهم نقفُ، نشدُّ على أسنانِنا،
ونُخفي خلفَ الصمودِ جراحًا تتَّسعُ بصمتٍ، وتزدادُ ثناياها يومًا بعدَ يومٍ، ونتَّكِئُ على عمودٍ روحيٍّ هشٍّ، ما كان ليصمدَ لولا إرادةُ صاحبِهِ بعنايةِ خالِقِهِ وحده.
شكرًا لكَ يا اللهُ؛ فأنتَ الذي تمدُّنا رغمَ جحودِنا،
ولم تنسَنا رغمَ كلِّ هذا الجحود.
من حديثِ القلب (٦) :
أنا إنسانةٌ بسيطةٌ جدًّا، يسرُّني الخُلُقُ الرفيع، ويبهجُني القلبُ الطيّب، وكم يُفرحني أن أرى إنسانًا يبتسم!
لكنّني دقيقةُ الملاحظة، أغوصُ في أعمقِ التفاصيل، ولا يفوتُني أصغرُها... أعترفُ بأنّ هذا مؤلمٌ؛ فقد تأذّيتُ منه من أبعدِ الناس وأقربِهم مرارًا وتكرارًا... مع أنّني أتظاهرُ بالغفلة في أغلبِ العلاقات في حياتي، إلّا أنّ حقيقةَ الأمر أنّني مُدركةٌ لكلّ شيء، ومع كلّ ذلك أنا صبورةٌ، وأبقى مستعينةً بصبري حتّى إنّني لأشعرُ بأنّ خياناتِ الأحبّة باتت تنخرُني من الداخل شيئًا فشيئًا، فأحسُّ بقلبي يتآكلُ لولا معونةُ الله (تعالى).
لا أزالُ أحبُّ جميعَ الناس، بلا استثناء: من كذبَ عليّ، ومن استغلَّ طيبتي، ومن استثمرَ نقاوتي... ولا زلتُ أتمنّى لهم حلوَ الأمنيّات، وأدعو لهم بأجملِ الدعوات... إلّا أنّ أخلصَ ما أتمنّاه وأرجوه هو أن تنموَ بذرةُ الإنسانيّة التي أودعها الله (تعالى) فينا من جديد، كي يشعرَ الإنسانُ بأخيه الإنسان، فيعامله كما يحبُّ أن يُعامَل، كما لو كانا على كفّتي ميزان.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!