شاع في مجتمعاتنا اليوم أن نكره إنسانًا لنجاحاته العلميّة، أو لعلاقاته الإجتماعيّة، أو لحالته المادّيّة، أو لكونه محطّ أنظار الناس بما فضّله الله (تعالى) به من صفات، لا سيّما إن كان مهذّبًا، متواضعًا، حسن الطباع. وفي المقابل، نرى في هذه المجتمعات من يُصفَّق له ويُبالغ في احترامه وتقديره، رغم تكبّره وغروره وتعاليه في تعامله مع الآخرين.
عجبًا لهذا التناقض، والضياع!. وقد دلّنا الإمام عليّ (عليه السلام) بقوله: "مَن لانَتْ كلمتُه وجبت محبّتُه"، وقال أيضًا: "ثمرة التواضع المحبّة، وثمرة الكِبر المَقْت". وهنا يبرز السؤال الذي من الضروري طرحه: لماذا لا نستثمر نجاح الآخرين في بناء العلاقات الطيّبة، وفي تطوير ذاتنا بدلًا من الحقد، والغلّ، والحسد؟
فالذي نجنيه من هذه المشاعر لا يتجاوز الهمّ والغمّ والوجع، ثم تضعف سلامة القلب، وينطفئ السلام الداخلي، ويختلّ التصالح مع الذات، وتذبل الروح قبل الجسد. ولا مبرّر لأن نسيءَ إلى شخص لمجرّد أنّه يعرف فلانًا من أصحاب المناصب، أو فلانًا من الوجهاء، أو ينتمي إلى جهة معيّنة، أو يرتبط بمؤسّسة ما، خاصّة إذا لم يصدر منه يومًا إلّا الخير، ولم يُسئ إلينا قولًا أو فعلًا. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنّ الله (تعالى) لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
ولا يصحّ لنا أن نحسد الآخرين على ما كتب الله (تعالى) لهم، أو على ما فضّل بعضنا على بعض؛ فذلك ابتلاء واختبار. يقول (تعالى) : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله".
وفيما يلي سنبيّن بعض نواحي الحسد من الجانبين الأخلاقي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وعلم النفس.
أوّلًا/ الحسد عند علماء الأخلاق من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام):
*يُعرَّف الحسد بأنّه: " تمنّي زوال النعمة عن أخيك المسلم مما له فيه صلاح". أي أن جوهر الحسد ليس مجرّد الرغبة في مثل ما عند الآخر، بل الألم لوجود النعمة عنده مع تمنّي زوالها عنه. وقد ورد التحذير منه في الأحاديث الشريفة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". وهو تعبير يبيّن خطورته الروحيّة قبل النفسيّة.
*السؤال: هل للحسد أنواع؟
الإجابة نعم، يميّز علماء الأخلاق بين أكثر من صورة للحسد:
١. الحسد المحرَّم (المذموم):
تمنّي زوال النعمة عن الغير، والفرح بزوالها، أو السعي لإفسادها، أو إلحاق الضرر بصاحبها. وهذا هو المقصود غالبًا في الروايات التي تذمّ الحسد.
٢. الغِبطة (المحمودة):
أن تتمنّى مثل نعمة غيرك، من دون أن تتمنّى زوالها عنه. وهذه ليست حسدًا مذمومًا، بل قد تكون دافعًا للخير. وقد ورد في الأحاديث جواز الغبطة في أمور مثل، العلم، والعبادة، والإنفاق في سبيل الله.
٣. الحسد العملي والقلبي:
يُفرّق بعض العلماء بين:
أ. حسد قلبي: وهو شعور داخلي لم يُترجَم إلى سلوك.
ب. حسد عملي: يتحوّل إلى قول، أو فعل مؤذٍ.
والتكليف الشرعي يشتدّ في الحالة الثانية، أمّا الأولى فهي محل مجاهدة النفس. وقد قال الإمام علي (عليه السلام) : "أعظم الجهاد جهاد النفس"، ويدخل في ذلك مقاومة مشاعر الحسد قبل أن تتحوّل إلى أذى.
ويُعدّ الحسد في ديننا اعتراضًا ضمنيًا على قسمة الله (تعالى)، وكأن الحاسد غير راضٍ بحكمة الله(تعالى) في توزيع الأرزاق؛ ولهذا يُربط دائمًا بين الحسد وبين ضعف الرضا، والتسليم.
*علاج الحسد من وجهة علماء الأخلاق (أهل البيت عليهم السلام):
يذكر علماء الأخلاق أنّ علاج الحسد يكون عبر مسارين: علميّ وعمليّ.
١. العلاج العلمي (المعرفي):
وهو تصحيح الفكرة التي يقوم عليها الحسد، وذلك من خلال:
أ. التفكّر في حقيقة الحسد:
أن الحاسد لا يضرّ المحسود بقدر ما يضرّ نفسه؛ لأنّه يعيش القلق والغمّ، ويعترض ضمنًا على قسمة الله (تعالى).
ب. الإيمان بحكمة الله في توزيع الأرزاق:
فالتفاوت بين الناس سنّة إلهيّة قائمة على الابتلاء والاختبار، لا على العبث أو الظلم.
ج. إدراك أن زوال نعمة الغير لا يجلب نفعًا للحاسد:
بل قد يزيده ألمًا؛ لأن أصل المشكلة داخلي لا خارجي.
٢. العلاج العملي (السلوكي):
أ. إلزام النفس بالدعاء للمحسود بالبركة والخير: حتّى يضعف الدافع الداخلي للحسد تدريجيًا.
ب. إظهار المحبّة والثناء عليه: وإن كان تكلّفًا في البداية؛ لأنّ العمل الظاهري يؤثّر في الباطن.
ج. مجاهدة النفس: وذلك عند أوّل خاطر، وقطع الفكرة قبل أن تتحوّل إلى قولٍ أو فعل.
د. الاشتغال بإصلاح النفس بدل مراقبة الناس: لأنّ أصل الحسد غالبًا شعور بالنقص، وعلاجه الحقيقي يكون بتكميل الذات.
ثانيًا/ الحسد من الجانب النفسي:
* ماهو الحسد في علم النفس، وماهي أنواعه؟.
يشير علم النفس إلى أنّ الحسد خلل داخلي في ذات الإنسان لشعوره بالنقص، والضعف، أو الحرمان كما يأتي هذا الشعور نتيجة المقارنات المستمرّة مع الغير.
وفي هذا الجانب يعرّف الحسد بأنّه: "شعورٌ بعدم الارتياح أو الاستياء ينشأ عن إدراك أن شخصًا آخر يمتلك ميزةً، أو أو إنجازًا، أو متاعًا يرغب فيه الفرد وغالبًا ما يتضمن رغبةً في إمتلاك الشيء نفسه، أو في أن يُحرم الآخر منه".
ويُميّز علماء النفس بين نوعين رئيسيين:
١. الحسد الخبيث:
وهو شعورٌ بالألم تجاه تفوّق الآخر، يتضمّن رغبةً ضمنية، أو صريحة في زوال النعمة عنه، وقد يصاحبه تقليل من شأنه، أو عدوان غير مباشر نحوه.
من أبرز آثاره:
أ. توتّر داخلي.
ب. عدائيّة أو شماتة.
ج. إنخفاض في الرضا عن الذات.
٢. الحسد الحميد:
وهو شعورٌ بعدم الارتياح تجاه تفوّق الآخر، لكنّه لا يتضمّن رغبة في إلحاق الضرر به، بل يتحوّل إلى دافع لتحسين الذات، والسعي لبلوغ مستوى مشابه.
من أبرز آثاره:
أ. زيادة الدافعيّة.
ب. تحسين الأداء.
ج. توجيه الطاقة نحو التطوير الشخصي.
والحسد من وجهة نظر نفسيّة مرتبط بثلاثة عناصر:
١. المقارنة بين النفس والآخر.
٢. الإحساس بالنقص أو الحرمان.
٣. الرغبة في امتلاك ما لدى الغير.
* لماذا يظهر الحسد عند الإنسان؟
١. ضعف تقدير الذات:
الشخص الذي لا يرى قيمته بوضوح يميل لقياس نفسه بالآخرين دائمًا، فيشعر أن نجاح غيره إنما هو تهديد له، وفشل.
٢. التربية القائمة على المقارنة:
ما يعمد إليه الوالدان مثل قول العبارات المتكرّرة: "انظر فلان كيف نجح!"، "لماذا لست مثله؟"، "فلان أفضل منك" وهذه بدورها تبرمج العقل على أنّ قيمة الإنسان تُقاس بالتفوّق على الآخرين، لا بتطوّر نفسه.
٣. عقليّة الندرة:
يتعامل بعض الناس مع النجاح كأنّه مورد محدود، بمعنى أنّه إذا نجح غيري، قلّت فرصتي بينما في الواقع أن مجالات النجاح متعدّدة وليست متزاحمة دائمًا.
٤. الشعور بعدم السيطرة والتشتّت:
حين يشعر الإنسان أن جهده لا يغيّر واقعه، ولو لمجرّد الشعور قد يتجه نفسيًا إلى الحسد بدل العمل؛ لأن الحسد أسهل من التغيير.
* كيف يعالج علم النفس الحسد؟
لا يجب إنكار الحسد، بل إدارته، والسيطرة على النفس وتحويله عبر خطوات عمليّة مثل:
١. الوعي بالمشاعر بدل إنكارها:
كأن تقول لنفسك: "أنا أشعر بالغيرة الآن، لماذا؟ ماذا ينقصني أنا؟ لماذا لا أكون مثله؟".
٢. تحويل المقارنة إلى تعلّم:
بدل: لماذا هو أفضل؟. أسأل: ماذا أفعل لأتعلّم منه؟.
٣. التركيز على النموّ الشخصي:
العقل يهدأ عندما يرى تقدّمًا ذاتيًا، لا عندما يراقب الآخرين فمن راقب الآخرين مات همًا.
٤. تدريب الامتنان:
الشعور بالامتنان، وتقدير نعم الله (تعالى) التي لا تعد، ولا تحصى يعيد توجيه الدماغ ليرى ما يملكه، وما أنعم الله (تعالى) عليه من عطايا، ومنن، فيقلّ الإحساس بالحرمان، وقد ينعدم.
وفي الحقيقة إنّ الذي يستحق أن نغبط عليه الناس حقًا هو السلوك الحسن، والأخلاق الحميدة، وحسن السيرة بين الناس، والقلب الطيّب المحب للخير. وعن الإمام عليّ (عليه السلام): "من ملك الأخلاق ملك القلوب". وكلّ ما دون رضا الله (تعالى) زائل، ولا يبقى إلّا الأثر الطيّب والعمل الصالح، فالكلمة الطيّبة صدقة، وتبسّمك في وجه أخيك المؤمن صدقة كما ورد في الاحاديث الشريفة التي ربّانا من خلالها أعظم الناس خُلقًا الرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي وصفه الله (تعالى) بقوله المبارك: "وإنّك لعلى خلق عظيم"، وهذا ما يفترض أن نربّي أولادنا عليه، وننشره، ونعمل على تعليمه في المدارس، والجامعات، وتطبيقه في بيئة العمل، والحياة الإجتماعيّة بشتّى فروعها...
تطبيقا لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ولما ورد عن الإمام (عليه السلام) : "كُن ميزانًا بينك وبين غيرك، فأحبّ لغيرك ما تحبّ لنفسك، وأكرَه له ما تكره لنفسك".
وفي نهاية المطاف، إن زرعت خيرًا تحصد خيرًا، وإن زرعت شرًا تحصد شرًا كما في قوله (تعالى): "من يعمل مثقال ذرّة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرًّا يره".


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!