بسم الله الرحمن الرحيم
لقد اعتادَ المؤمنون على أن يلقوا أذىً من مخالفيهم وأعدائهم، وبَشَّرَهم الأئمة أنَّه سيكون أذىً كثيراً، وأوصوهم بالصبر والتحمُّل وكَظم الغيظ، وحثُّوهم على مداراة المخالفين لدفع سُوئِهم وشَرِّهم.
لكنَّ مصدر الأذى للمؤمن لا ينحصرُ بالكافر أو المخالف! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
إِنَّ الله أَخَذَ مِيثَاقَ المُؤْمِنِ عَلَى بَلَايَا أَرْبَعٍ أَيْسَرُهَا عَلَيْهِ:
1. مُؤْمِنٌ يَقُولُ بِقَوْلِهِ يَحْسُدُهُ!
2. أَوْ مُنَافِقٌ يَقْفُو أَثَرَهُ!
3. أَوْ شَيْطَانٌ يُغْوِيهِ!
4. أَوْ كَافِرٌ يَرَى جِهَادَهُ!
فَمَا بَقَاءُ المُؤْمِنِ بَعْدَ هَذَا؟! (الكافي ج2 ص249).
فقد يقع الأذى والحسدُ على المؤمن من مؤمنٍ مثله! يقول بقوله!
والحَسَدَ مَرَضٌ يصيبُ ابن آدم، يُلازم الجهل، ولا خلاصَ منه إلا بكمال العقل، وهو أصلُ الكُفر، وداء الأمم!
وقد ابتلي به جمع من المؤمنين حتى في زمن الأئمة عليهم السلام! كهشام بن الحكم، المتكلِّم المفوَّه، الذي ذَبَّ عن العقيدة الحقَّة بما عجز عنه أقرانه، فأحبَّ الإمام منه الكلام والمناظرة والاحتجاج، ووصفه بأنه: إِنْ وَقَعَ يُحْسِنُ أَنْ يَطِيرَ!
لم يسلم هشامُ من أذى أصحابه حَسَدَاً له!
فعن سليمان الجعفري قال: سَالتُ أَبَا الحَسَنِ الرِّضَا (ع) عَنْ هِشَامِ بْنِ الحَكَمِ، قَالَ، فَقَالَ لِي: رَحِمَهُ الله، كَانَ عَبْداً نَاصِحاً! أُوذِيَ مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِهِ حَسَداً مِنْهُمْ لَهُ! (رجال الكشي ص270).
لقد وَلَّدَ هذا الحسدُ فِعالاً مؤذية بحقِّ هشام من قِبَلِ أصحابه! وهم قومٌ رأوا الإمام! وعاشوا في أيامه! وسمعوا من علوم هشامٍ ما أفحم به الصغير والكبير من علماء المخالفين! لكنَّه صار محسوداً رغم ذلك! وآذاه أصحابه، إلى حدِّ رميه بالكفر! كما روي من قول بعض الأصحاب له عند مناظرته في التوحيد وصفات الله: كَفَرْتَ وَالله بِالله العَظِيمِ وَألحَدْتَ فِيهِ! (رجال الكشي ص279).
وقد تكرَّرَ صدورُ الأذى لجملةٍ من أصحاب الأئمة عليهم السلام سواه، كيونس بن عبد الرحمان، وهو واحدٌ من ستَّةٍ من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام أقرَّ لهم الشيعة بالفقه والعلم، وأجمعوا على تصحيح ما يصحُّ عنهم، وكان يونس أفقه هؤلاء الستة! وقد: أَلَّفَ ألفَ جِلْدٍ رَدّاً عَلَى المُخَالِفِينَ! (رجال الكشي ص485)، وعدَّه الرضا عليه السلام: فِي زَمَانِهِ كَسَلْمَانَ الفَارِسِيِّ فِي زَمَانِهِ! (رجال الكشي ص488).
ولقد تأذى يونس من أصحابه، ودخل على الإمام الرضا عليه السلام: فَشَكَا إِلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الوَقِيعَةِ!
فَقَالَ الرِّضَا (ع): دَارِهِمْ، فَإِنَّ عُقُولهُمْ لَا تَبْلُغُ! (رجال الكشي ص488).
لقد بَيَّن الإمام عليه السلام في هذه الكلمة الموجزة ليونس أمرين:
الأمر الأول: أن وقيعة هؤلاء فيه وحسدهم له إنما يرجع إلى نقصٍ في عقلهم! ولو كانوا من أهل الإيمان.
وهو القائل لهشامٍ في حديث آخر: مَنْ أَرَادَ الْغِنَى بِلَا مَالٍ، وَرَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الحَسَدِ، وَالسَّلَامَةَ فِي الدِّينِ، فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ! (الكافي ج1 ص18)، فَعَدَّ الإمام كمالَ العقل طريقاً للخلاص من الحسد!
إنَّ عقول أصحاب هشامٍ لم تبلغ مرتبةً يتخلَّصون بها من الحسد! ويترفَّعون بها عن تكفير إخوانهم المؤمنين، فقد ترى رجلاً مؤمناً صالحاً عاملاً، لكنَّ ضعف عقله في جهةٍ من جهاته يجعله مؤذياً لإخوانه دون وجه حقّ!
الأمر الثاني: أنَّ المؤمن ينبغي أن يداري اخوانه، فالمداراة منهج الأنبياء بأمر الله تعالى، كما قال رسول الله (ص): أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ! (الكافي ج2 ص117).
وقد عدَّ الصادق عليه السلام مداراة الناس نصفَ العيش، بل صارت المداراة عنواناً للعقل في أحاديث آل محمد (ع)! وفيها سلامة الدين والدنيا! والأمن من مكائد الناس وغوائلهم، وكلُّ هذا مما يسعى إليه المؤمن العاقل.
ولقد تحمَّلَ يونس الكثير، حتى في محضر الإمام عليه السلام! فقد كان عند الرضا عليه السلام يوماً حين استأذن عليه قومٌ من أهل البصرة، فأومأ إليه الإمام أن يدخل إلى مكان مستورٍ، ونهاه عن أن يتحرك حتى يأذن له!
يقول الراوي: فَدَخَلَ البَصْرِيُّونَ وَأَكْثَرُوا مِنَ الوَقِيعَةِ وَالقَوْلِ فِي يُونُسَ! وَأَبُو الحَسَنِ (ع) مُطْرِقٌ، حَتَّى لَمَّا أَكْثَرُوا وَقَامُوا فَوَدَّعُوا وَخَرَجُوا: فَأَذِنَ لِيُونُسَ بِالخُرُوجِ، فَخَرَجَ بَاكِياً فَقَالَ: جَعَلَنِيَ الله فِدَاكَ إِنِّي أُحَامِي عَنْ هَذِهِ المَقَالَةِ وَهَذِهِ حَالِي عِنْدَ أَصْحَابِي!
لقد تأذَّى يونس حتى خرج باكياً في محضر الإمام! وتَأَلَّمَ لظلم ذوي القربى، وهم اخوانه المؤمنون، أصحاب العقيدة الحقَّة، الذين أكثروا من الوقيعة فيه!
ما أجابهم الإمام على قولهم، وهو الذي لا ينطق إلا عن أمر الله، وهو العالم بصلاح شيعته.. سواءٌ كان ذلك إبقاءً على الاختلاف بينهم حِفظاً لهم.. أو لأنَّهم يعجزون عن تعقُّل وإدراك ما يقوله يونس فضلاً عن الاعتقاد به، فيكون الخيرُ في تركهم لئلا يردُّوا الحقَّ المرضيّ عند الله، فإنَّ الناس مختلفون في قدرتهم على تحمُّل العلوم والمعارف العالية.. أو لغير ذلك من وجوه الحكمة.
ثم قال الإمام ليونس: يَا يُونُسُ، وَمَا عَلَيْكَ مِمَّا يَقُولُونَ إِذَا كَانَ إِمَامُكَ عَنْكَ رَاضِياً! يَا يُونُسُ حَدِّثِ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، وَاتْرُكْهُمْ مِمَّا لَا يَعْرِفُونَ، كَأَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُكَذَّبَ عَلَى الله فِي عَرْشِهِ!
يَا يُونُسُ وَمَا عَلَيْكَ أَنْ لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ اليُمْنَى دُرَّةٌ ثُمَّ قَالَ النَّاسُ بَعْرَةٌ؟ .. أَوْ بَعْرَةٌ فَقَالَ النَّاسُ دُرَّةٌ؟! هَلْ يَنْفَعُكَ ذَلِكَ شَيْئاً؟!
.. هَكَذَا أَنْتَ يَا يُونُسُ، إِذْ كُنْتَ عَلَى الصَّوَابِ وَكَانَ إِمَامُكَ عَنْكَ رَاضِياً لَمْ يَضُرَّكَ مَا قَالَ النَّاسُ (رجال الكشي ص487).
ما أعظم هذه الكلمة!
فهي تورثُ الإنسان سكينةً عجيبةً.. واطمئناناً لا حَدَّ له! إذ ليس بعد رضا الله والإمام غاية.
هكذا تسكن النفس، وتهدأ الجوارح، ولو أطبقت السماء على الأرض.
لقد تعلَّم يونس من الإمام هذه الدروس، فصار نموذجاً سامياً في بِرِّ إخوانه الذين يؤذونه! ذاك حيث قيل له: إِنَّ كَثِيراً مِنْ هَذِهِ العِصَابَةِ يَقَعُونَ فِيكَ وَيَذْكُرُونَكَ بِغَيْرِ الجَمِيلِ!
قد يكون يونس صاحبَ فضلٍ عليهم بنقل علوم آل محمد لهم، لكنَّهم يؤذونه، فيجيب سائليه: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ فِي أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (ع) نَصِيبٌ فَهُوَ فِي حِلٍّ مِمَّا قَالَ! (رجال الكشي ص489).
ما أسمى هذا المعنى! وأطيب نفس يونس هذه وأطهرها، حينَ يعفو عن كلِّ موالٍ لآل محمدٍ له حقٌّ عنده!
إنَّ خير خلائق الدنيا والآخرة العفو عمن ظلمك، فما أجمل أن يكون هذا العفو عفواً في الله لأولياء عليٍّ عليه السلام!
ما ازداد يونس بعفوه هذا في الدُّنيا إلا عِزَّاً وشرفاً، ويوم القيامة إلا رفعةً وفضلاً.
هكذا يستلهمُ المؤمنُ الدروس من كلمات الأطهار، ومن فِعال الكُمَّل من أصحابهم، ويعلم أنَّ ما تكرَّرَ مع جملةٍ من أصحاب الأئمة عليهم السلام قد يتكرَّر في كل زمان.
ولقد اشتكى جعفر بن عيسى للرضا عليه السلام أصحابه فقال: هُمْ وَالله يَا سَيِّدِي يُزَنْدِقُونَا وَيُكَفِّرُونَا وَيَتَبَرَّءُونَ مِنَّا!
وهذا أمرٌ لا يرضاه الإمام، فإنَّ تكفير المؤمن للمؤمن واتهامه بالزندقة أمرٌ عظيمٌ عند الله! ولكن.. ما على المؤمن إن كان إمامه عنه راضياً؟!
لقد بيَّنَ الرضا عليه السلام أن جملةً من أصحاب السجاد والباقر والصادق والكاظم عليهم السلام كانوا هكذا أيضاً! وكذا أصحاب زرارة يكفِّرون غيرهم وغيرهم يكفِّرونهم! (رجال الكشي ص498).
ومهما كان السبب في ذلك، فإنَّ من أجمل قواعد الإيمان هي: البراءة من الفعل القبيح، وحبّ صاحبه إن كان مؤمناً!
فعن الكاظم عليه السلام في المؤمن الذي يرتكب الموبق من الذنب: تَبَرَّءُوا مِنْ فِعْلِهِ وَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنْهُ، أَحِبُّوهُ وَأَبْغِضُوا عَمَلَه!
وهو: مُؤْمِنُ النَّفْسِ، خَبِيثُ الْفِعْل! .. لَا يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يُصَفَّى مِنَ الذُّنُوب! (الأصول الستة عشر ص200).
ليست مدارة المؤمن للمخالف إذاً أولى من مداراته لأخيه، الذي تجمعه به أخوَّة الإيمان، فإذا صَبَرَ على أذاه أعانه الله على أهوال يوم القيامة، وقد قال الصادق عليه السلام: ِ مَنْ صَبَرَ عَلَى الظُّلْمِ، وَكَظَمَ غَيْظَهُ، وَاحْتَسَبَ وَعَفَى وَغَفَرَ، كَانَ مِمَّنْ يُدْخِلُهُ الله الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ! وَيُشَفِّعُهُ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَمُضَر! (الخصال ج1 ص104).

نسأل الله أن يصلح أمورنا وأمور المؤمنين جميعاً، وأن يوفِّقنا لأداء حقِّ إخواننا، ومداراتهم، والعفو عنهم.
والحمد لله رب العالمين

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!