في مثل هذا اليوم، لا نستحضر حادثةً عابرة،
ولا نمرُّ على ذكرى عادية، بل نقف عند مقامِ رجلٍ فاق أمّةً في علمه، وتجاوز الوصفَ في خُلُقِه...
إنّه الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)،
نورُ الله الذي لا تنال من سراجه يد الأعداء،
ولا يُخمدُ نوره ظلامُ الجهلاء.
كان مدرسةً جامعةً،
ونهجًا قائمًا بذاته،
وصرحًا علميًّا متكاملًا،
يتخرّجُ منه كلُّ فذٍّ، وينهل منه حتّى النِّدّ،
فمن أخذ عنه صار عالمًا، ومن حضر عنده غدا عبقريًّا،
يُحتذى به في كلّ علم، ويُستشهد به في كلّ برهان.
لا يتقادَم رأيُه، ولا يُفنَّد قولُه،
وعلمُه عابرٌ لكلّ الأزمان،
وواسعٌ لا تُحيط به الأذهان...
أرادوا موته فخُلِّد،
وعزموا على هزيمته فانتصر،
مؤيَّدٌ من الله، ومُسدَّد
يقينٌ لا يُزعزع، وفصلٌ لا يُنازع...
اغتالوه، فاغتيل العلمُ، والحِلمُ، والسماحةُ، والفصاحةُ، والشجاعةُ... فتمزّقت قلوبُ المؤمنين حبًّا له، وألمًا عليه.
وغُيّب عن العيون، فغاب بحرٌ لا يُدرَك قعره،
ونورٌ لا يخبو أثره، فعاش في الضمير، وفي القلم...
قال (عليه السلام) في بيان علمه، ومنزلته:
"إنّا أهلُ بيتٍ عندنا علمُ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة" (الكافي، ج1، كتاب الحجة، بأسانيد متعددة في مضمون العلم عند أهل البيت عليهم السلام).
ولم يكن (عليه السلام) مجرّد عالمٍ يُؤخذ عنه، بل كان منبعًا للعلوم، ومركزًا إشعاعيًا تتفرّع منه المعارف، ويُستقى منه الحِكَم؛ فقد قال (عليه السلام):
"العلمُ نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء" (الكافي، ج1، باب صفة العلم وفضله)، فكان ممّن تجلّى فيهم هذا النور، حتّى أنار عقول من حوله.
ولم تكن دعوته إلى العلم محضَ نظريةٍ، بل واقعًا حيًّا يُدركه من حوله؛ إذ نُقل عن الحسن بن علي الوشّاء قوله: "أدركتُ في هذا المسجد تسعمائة شيخ، كلٌّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد" (رجال النجاشي، وبمضمونه في مصادر رجالية متعددة).
في صورةٍ تكشف عن مدرسةٍ علميّةٍ واسعة، اجتمع فيها المئات، بل الآلاف، ينهلون من علمه.
ولم يقف أثره عند الفقه والعقيدة، بل امتدّ إلى ميادين العلم المختلفة، حتّى في ما يُعرف اليوم بالكيمياء؛ حيث يُنسب إلى جابر بن حيان قوله: "أخذتُ علمي كلّه عن سيدي جعفر بن محمد"، "علّمني ألف بابٍ من العلم، يُفتح لي من كلّ بابٍ ألف باب" (مذكور في كتب التراث والتراجم، مع اختلاف في طرق الإسناد والتوثيق التاريخي).
لم يكن الإمام (عليه السلام) عالمَ زمانه فحسب، بل كان صانعَ العقول، ومقيمَ مدرسةٍ لم يهدم بناءَها الزمن، ولم يبهت نورُها، بل بقي مُضيئًا على مرّ الدهر، وما زالت آثارُها حيّةً إلى اليوم.
وهكذا لم يكن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) حدثًا مضى، بل تاريخًا لا يُنسى، فهو حقيقةٌ تمتدّ في الوعي، وصرخةُ علمٍ لا تُسكتها القرون
سلطانُ علمٍ لا يُغلب، وحقٌّ لا يُدفع...
فإن غاب الجسد، بقي الأثر،
وإن سكت الصوت، نطق الفكر،
ومدارسُ العلم شاهدةٌ على صاحبها.
فيا من تقرأ...
ليس السؤال: ماذا نقرأ عنه؟
بل السؤال: ماذا أخذنا منه؟
فالعلم الذي أضاء به العقول، والحِلم الذي هذّب به النفوس، والدليل الذي أقام به الحُجّة...
كلّها ليست تاريخًا يُروى فحسب، بل مسؤوليةٌ تُحمل.
فإمّا أن نكون امتدادًا لنوره، ونستهدي بنهجه الشريف،
وإمّا أن نكون مجرّد عابرين على سيرته، أفواهٌ تنطق بلا فعلٍ يُجسَّد.
فالسلامُ على عَلَمِ الحقِّ، وهيبةِ المذهبِ، ومُهيبِ القلوبِ، ومُدني العقولِ،
السلامُ على منارةِ دروبِ المتحيّرين، والحُجّةِ على الخلائقِ أجمعين، حتّى قيامِ يومِ الدين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!