كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الكنجينة (18)

سعى العلماء لتقديم  العالم المادي كنقيض للعلم المعنوي وتقدم أي طرف منهما يعني تخلف الآخر ،ولهذا العالم يشهد بتقدم العلم وازدهار التقدم التقني مع التراجع الاخلاقي، هل من الصعب بناء مجتمع عامل معطاء مجد مجتد وخلوق ؟  واين هو العيب من هذه المعادلة العرجاء ؟ العيب اننا لا ناخذ من المدنية الاقشورها ،
 التقدم الهائل الذي حققته الشعوب منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا، على مستوى العلم والصناعة، والحصول على أدق الأدوات لمعرفة كل شيء من الذرات إلى المجرات، إلّا أن ذلك أنسى الإنسان معرفة نفسه.. فما كان ذلك إلا مقدّمة لاندلاع حريق اللذات المادية، وإطفاء نور الجنبة الروحية. لينتهي الإنسان ليس إنسانًا لفقد جوهره ومعدن روحه الذي يتميز به.. ألا وهو “الأخلاق”.
إذًا، إن هكذا خطر يلزم العلماء والمصلحين بالنهوض لترميم ما تهدّم من هذه القيم الأخلاقية، وإلا ستتبلور “أزمة الهوية” يومًا بعد آخر فلا يملك الإنسان إنسانيته.. وتندثر الشرائع النبوية، وتغيب التعاليم الإلهية عن الساحة العملية.
نحن اليوم باشد الحاجة الى اصدارات تبحث في قيم المنظومة الأخلاقية، حيث يبدأ كتاب الغيبة للشيخ عبد العباس الجياشي بتعريف (الغيبة) ليكون أقدر على الكشف والاحتواء، فيورد تعريفاً لها بعنوان (آفة)، وهي من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً، ويحدد عمق المأساة من خلال عدّها - فاكهة المجالس في هذا الزمان -، بانتقاء مرجعي مباشر، يدخلنا في قلب الموضوع القرآني، إذ شبه الاغتياب بنهش لحم الإنسان.
ويرى الباحث أن عاقبة الغيبة هي الخروج من ولاية الله تعالى الى ولاية الشيطان، فيطرح التعبير التعريفي بأنها تعني: ذكر الإنسان بما فيه مما يكرهه وهي غيبة محرمة.. ويواصل النصّ البحثي تقديم الغيبة بمفهومها الإنساني حسب تشخيص النبي محمد (صلى الله عليه واله): (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وان لم يكن فيه فهذا هو البهتان).
إن تكرار وتعدد الاستشهادات يحقق تواشج التعبير الدلالي التوكيدي ليمنحنا أولاً: سعة مساحة رفض الثيمة المريضة، ثانياً: سعي إفهامي لخطورة الجملة المرفوضة إنسانياً، ثالثاً: يترك أثراً توكيديا للرفض.. وبيّن لنا الكاتب أقبح أمور الغيبة وهي انتقاص واحتقار وإهانة والنيل من عرض المسلم ومن كرامته.. وهكذا نجد أن النصّ البحثي اعتمد على تداخل مستويات العرض كمفهوم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، معنى أعطانا فاعلية التشخيص مثل جملة (المؤمن أخو المؤمن)، ومثلهم بالجسد الواحد.
ويواصل استشهاده بالمرجع الإمامي، لإثراء التوكيدية: كتشخيصات الإمام الصادق (عليه السلام ) لما للمؤمن على المؤمن من حقّ لخصها بالمحبة والمودة والرعاية والوفاء والمشاركة بجميع أنواعها..
وقد عدَّ أهلُ البيت (عليهم السلام) أداء حقّ المؤمن من أفضل العبادات، وقدّم البحثُ صياغات توكيدية ركزت لنا مفهوم العرض المقاوم لوجود الصراع الأخلاقي العام، تضافر مجموعة الاستشهادات المرجعية لمعنى وصية النبي (صلى الله عليه واله ) للإمام علي (عليه السلام): (يا علي أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله)، وتقديم حرمة الغيبة؛ كونها من ضروريات الإسلام، قال تعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) الهمز الطعن بالغيبة، واللمز الطعن حضوراً.
وتظهر هيمنة الترابط العلاقاتي بين مجموعة من الأحاديث الشريفة، وهذا يدلّ على سيادة التوكيد، قال رسول الله (صلى الله عليه واله ): (من اغتابَ مسلماً أو مسلمة، لم يقبلِ اللهُ صلاته ولا صيامه أربعين يوماً وليلة، إلا أن يغفرَ له صاحبه). والدخول الى عمق المعنى سيعطينا فكرة تدعيم التوقير الإلهي للإنسان، فهو جلّ شأنه، يعطيه منزلة القدرة على العفو، ليدلّ على أن العقوبة وضعت لصون كرامة الإنسان من أي خدش أخلاقي.

المكتبة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!