كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بين الحضور العلمي والاعلامي لطلاب العلم

يخلط الكثيرون بين الحضور العلميّ لطالب العلم، وبين الحضور الإعلاميّ، فيعتبرون الأكثر حضوراً إعلاميَّاً أكثر علما، هذه واحدة.
وهذه أخرى: يخلط كثيرون بين البيان الجيد، والمعلومة الصحيحة، فقد يكون بيان المرء جيداً، ولكن محتواه غير صحيح، فيكون ركب البيان الحسن وسيلةً لوصول المعلومة المغلوطة وذيوعها في النَّاس.
وقد تكون المعلومة صادقةً، ولكن يكبو بها البيان الرديء عن غاية وصولها إلى أسماع النّاس.
وقد يتّفق كلُّ أولئك لواحد، وقد يتّفق له بعضها.
وهناك قضيةٌ أخطر، ترى طالب علمٍ يتكلَّم في موضوعٍ ما فلا يأتي بجديد، ولكنَّ طرحه واقعيٌّ، ووفق الموازين العلميَّة،
وترى آخر نظيره يأتي بجديدٍ، وهذا الجديد ليس بموزون، فهو خلاف كلّ ما قاله الأوّلون والآخرون من العلماء الأبرار، المشهود لهم بالفضيلة العلميَّة، والفقهاء العظام المعروفون بالعارضة المعرفيَّة فيقدَّم هذا على ذاك بحجَّة مواكبة العصر، وتعست تلك حُجَّة.
وترى أمراً آخر جديداً، يتكلَّم بعضهم في مبحثٍ ما، فيأتي بشواهد على كلامه من النظريَّة النسبيَّة، ومن مقتطفات كتاب قطّة شرودنجر، ويلوك مصطلحاتٍ مثل الحداثة والهرمنيو طيقا، فيُعتبر علَّامة زمانه؛ لأنَّه وظَّف معطيات العلم الحديث في علوم الحوزة، فيرمي كلَّ أساطين الحوزة بالجهل، والتّخلف لا لشيءٍ إلَّا لأنَّهم لم يستفيدوا من العلوم الحديثة بزعمه.
وهو لا يدري أنَّ علماء الحوزة وظّفوا العلوم الحديثة في بعض قضايا الفقه، كعلم الفلك في رؤية الهلال، والهندسة في معرفة القبلة، وحساب الاحتمالات في إثبات بعض القضايا رياضيَّاً ونحو ذلك.
بالنسبة لي – وهذا رأيٌّ شخصيٌّ – لستُ أُلزم به أحدا، أعتقد أنَّ من يحقُّ له التكلّم في قضايا الدّين من فقهٍ، وعقيدةٍ، ومعارف هو طالب العلم الفاضل، وهذا ينحصر علميَّاً بالفقيه المجتهد، وأخلاقيَّاً بالمجتهد العادل؛ لأنَّهم هم الأعرف بمراد المعصوم (عليه السَّلام) قرآناً وسنَّة
وغير هؤلاء، من خطباء، ومبلّغين ينهلون من نمير كلامهم، ويغترفون من قدور معارفهم، فهم الحلقة الوسيطة بين المجتهد والنّاس، يُبيّنون لهم المعارف، ويعلّمونهم الأحكام بما فهموه من أساطين المذهب.
لذلك، حين أرى محاضرةً دينيَّة غير تخصصيَّةٍ لسماحة السيد حسين الحكيم، أو سماحة السيد محمد صادق الخرسان، أو السيد العلَّامة أحمد الإشكوريّ، أو فضيلة السيد منير الخباز، أو سماحة الشيخ نزار آل سنبل، أو سماحة السيد ضياء الخبّاز أو الشيخ الفاضل علي الجزيريّ وأمثال هذه الطبقة، فعلى مَ أستمع لغيرهم ممّن قد يُخطئ، أو ممَّن يكون أقلَّ علما؟
في ذلك الزمان، يوم تفتّحت عيون مداركي في وجه المعارف، وطرَّ شارب تطلّعي على عارض التساؤل، لم تكن هناك وسائل للتواصل الاجتماعيّ مثل هذا اليوم، وكانت الوسيلة المعرفيَّة المتاحة الكتاب والتلفاز.
ولم يكن جيلنا يقرأ إلَّا لعلية القوم في العلوم غير التخصصية، السيد عبد الحسين شرف الدين، السيد محمد باقر الصدر، الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا المظفر، الشيخ محمد حسن آل ياسين، الشيخ محمد أمين زين الدين، الشيخ محمد مهدي الآصفي، الشيخ أحمد كاظم البهادلي، الشيخ محمد جعفر شمس الدين، الشيخ محمد جواد مغنية وأمثالهم؛ لذلك كان جيل الستينيَّات والسبعينيَّات – في اعتقادي الشخصيّ – أكثر متانةً معرفيَّةً من هذا الجيل؛ لأنَّه تربَّى على ثلَّةٍ من أقلام العلماء الربَّانيين العارفين بزمانهم.
وكان من حسنة الكتاب آنذاك أنَّ دور الطباعة لا تطبع إلَّا للأقلام المعروفة، تحسب حساب الربح والخسارة، فلم يكن ينتشر – غالباً – غير كتب هؤلاء الأعلام.
أمَّا الآن، فكلُّ من شاء الكلام تكلَّم – حتى أنا - لا يحتاج الأمرُ إلَّا إلى صفحةٍ في الفيس، ومنصَّةٍ على اليوتيوب، ولاقطةٍ للكلام، وقلمٍ للكتابة.

الحضور_العلمي.jpg




التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!